ذلك الزمان، ولما لم يدخل في أذهانهم كفروا وعاندوا وتهكموا بعقولهم، وفي زماننا هذا ممكن، فلو وجد قرشي في زماننا لن ينكره.
إذًا الذي نفى ذلك ووصف المثبت بالجنون لو كان في زماننا لأثبت ذلك ووصف النافي بالتخلف، أليس هو عقل واحد؟ هو عقل واحد, ولكنه قدم الإيمان بالمشاهدة على الإيمان بالغيب، ولهذا نقول: إن الإنسان إذا لم يدرك شيئًا من حقائق الشريعة وعللها عليه أن يسلم لا أن يقول لم أجد علة في ذلك؛ لأنه يريد أن يحاكم علم الله عز وجل في الغيب على علمه القاصر في المشاهد.
ومذهب أهل السنة والجماعة في مسألة القضاء والقدر أن الله عز وجل يقضي لعباده ويقدر لهم تقديرًا ولا يخرجون عن ذلك التقدير في أمر تصرفات الكون, وجعل الله عز وجل عليهم أمرًا وقضاء شرعيًا، ولهم مشيئة بالعمل وعدمه ويثابون على ذلك.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [يضل من يشاء فيخذله بعدله, ويهدي من يشاء فيوفقه بفضله, فكل ميسر بتيسيره إلى ما سبق من علمه وقدره من شقي أو سعيد, تعالى أن يكون في ملكه ما لا يريد, أو يكون لأحد عنه غنى أو يكون خالق لشيء إلا هو] .
الناس في العمل ميسرون لما خلقوا له، وهذا ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب قال: (اعملوا فكل ميسر لما خلق له) ، ولله عز وجل في ذلك حكم, وله جل وعلا مقادير، يعلم أحوال العباد واختيارهم وما في نفوسهم ومطامعهم وما يعزمون عليه وغير ذلك، فيجعل الله عز وجل مقادير الخلق وفق علم دقيق سبحانه وتعالى لا يحيدون عنه ولا يخرجون.
... الأنبياء وورثتهم وإقامة الحجة على الناس
قال المصنف رحمه الله تعالى: [رب العباد ورب أعمالهم, والمقدر لحركاتهم وآجالهم، الباعث الرسل إليهم لإقامة الحجة عليهم] .
الله سبحانه وتعالى يرسل الرسل وينزل الكتب لإقامة الحجج على العباد, ولا يعذب أحدًا إلا وقد قامت عليه الحجة، يقول الله جل وعلا في كتابه العظيم: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء:15] ، وأمر نبيه صلى الله عليه وسلم ألا يواجه أحدًا أو يقتله إلا وقد أقام عليه الحجة؛ كما في قوله عليه الصلاة والسلام كما جاء في الصحيح: (أمرت(والآمر هو الله) أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا