فهرس الكتاب
كأنه هنا جعل هذه الثلاثة, وهي: عمل القلب, ونطق اللسان, وعمل الإنسان بجوارحه؛ منها ما هو واجب ومنها ما هو مستحب, وهو كذلك، فثمة أمور واجبة على الإنسان بقلبه, وثمة أمور ليست بواجبة هي من الأمور المستحبة، وذلك ما يتعلق بأمور العلو في مراتب التوكل، والعلو في مراتب الرجاء، والتعلق بالله سبحانه وتعالى, تعلق الصديقين وغير ذلك, هذه هي من مراتب الكمال.
وهكذا أيضًا بالنسبة للنطق باللسان، ثمة ما هو واجب على الإنسان كالنطق بالشهادتين؛ كما في قول النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة و أنس بن مالك قال: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله) ، إذًا النطق من الواجبات.
ومن عمل القلب أيضًا ما هو واجب؛ كمسألة حب الله عز وجل وخشيته؛ كما في قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أنس بن مالك: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين) .
وكذلك أيضًا في نفي الإيمان عمن لا يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار، إذًا التعلق بالله سبحانه وتعالى مرتبة من المراتب الواجبة على الإنسان في أموره القلبية.
وهكذا بالنسبة لعمل الجوارح؛ منها ما هي واجبات كأمور الصلاة, ومنها ما هي دون ذلك كالنوافل من الصلوات, ومنها ما هي واجبات من أمور الحج والعمرة، ومن الحج والعمرة ما هو نوافل, ومنها ما هي نوافل ولم تفرض من جهة الأصل, ليس لها من جنسها شيء فرضه الله سبحانه وتعالى؛ ككثير من أعمال البر وذلك كالإحسان إلى الناس من حسن الخلق, والابتسامة في وجوههم, ومثل إعانة الإنسان في طريقه أو نحو ذلك, هذه من الأمور المستحبة التي تكون من الإنسان عملًا ولا تجب عليه عينًا.
قوله: (من السنن مؤكدها ونوافلها ورغائبها, وشيء من الآداب منها) , وهذا على ما تقدم من أن الشريعة منها عقائد, ومنها فقه, ومنها آداب, ومنها سلوك, ومنها ما يتعلق بالسنن، السنن عامة منهم من يدرجها في أبواب الأحكام, باعتبار أن الأحكام هي: الواجب, والحرام, والمندوب, والمكروه, والمباح, فهي داخلة في هذه الدائرة يدخل فيها الجميع، فيدخلون الآداب وأمور السلوك المستحبة في هذا الباب, ومنهم من يفصلها ويجعلها منفردة.
قال المصنف رحمه الله: [وجمل من أصول الفقه وفنونه على مذهب الإمام مالك بن أنس رحمه الله تعالى،