نقول: إن الخروج على أئمة المسلمين محرم باتفاق المسلمين، وجاء عن بعض السلف بعض الوقائع كما جاء في قصة الحسين وكذلك أيضًا ابن الزبير من بعض حوادث الخروج, منهم من قال: إنه محمول على أنهم يكفرون, ومنهم من يقول: إنهم رأوا القدرة على ذلك من غير فتنة فانجر الناس إلى خلاف ما يريدون فلم يستطيعوا وأْد ذلك, وهذا أيضًا من مسائل الاجتهاد التي وقعت فيهم عليهم رضوان الله تعالى, وعامة العلماء على خلاف ذلك، وهو أنه يُصبر على أئمة الجور ويُصلح أمره، ثم أيضًا أنه يجب على أئمة المسلمين وهم العلماء أن يصلحوا شأن الناس، وربما يبدر من الحاكم مخالفة لأمر الله سبحانه وتعالى, والمخالفة في ذلك وإصلاحها على نوعين:
النوع الأول: مخالفة تقع من الحاكم لازمة له؛ كأن يقع في خطأ في ذاته, أو يقع مثلًا في إسراف في نفسه, أو ربما أيضًا يبلغ أنه وقع في شيء من المحرمات لا يجوز لأحد أن يذكره بسوء أو أن يشيع أمره للناس, وهذا مما لا يجوز؛ لأن فيه إيغارًا لصدور الناس عليه، وقد تجاوز كثير من الناس في هذا الباب, فأخذوا يتحدثون عن عيوب الحكام وأحوالهم ما يستترون به، ولو فعلوا ما فعلوا ما دام أنه لا يظهر منهم ذلك للناس ولم يجاهروا به، بل ولو جاهروا به وجب على الإنسان أن ينصحهم في ذلك بإشفاق.
النوع الثاني: إذا وقع منهم مخالفة ودعوا الناس إليها، فإذا دعوا الناس إليها أو فعلوا مخالفة اقتدى بهم الناس وظنوها تشريعًا أو ترخيصًا لمثل هذا العمل وجب على العالم وعلى المصلح أن ينكرها علانية، كما جاء في حديث عمارة بن رؤيبة في الصحيح لما (قام بشر بن مروان على المنبر ورفع كفيه في دعائه في الخطبة قال عليه رضوان الله: قبح الله هاتين اليدين، لن يجاوز النبي صلى الله عليه وسلم أن أشار بأصبعه) , يعني: في خطبته، كذلك أيضًا في حديث أبي سعيد الخدري لما قام خليفة وخطب قبل الصلاة فقال رجل: الصلاة قبل الخطبة، فقال: أما هذا فقد أدى ما عليه، ولهذا نقول: ينبغي أن نفرق بين ما شيع من المنكر حتى لا يتبدل الدين, ويكون ذلك بلين أيضًا ورفق وحكمة من غير فتنة تقع فيه الناس ويراق لأجلها الدماء.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وترك المراء والجدل في الدين، وترك كل ما أحدثه المحدثون] .
(نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الأغلوطات) ، وهي جدال المسائل، كما جاء ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث معاوية في المسند والسنن، كذلك المراء وهو: الكلام الذي لا غاية له من السفسطة والآراء التي توصل إلى غير هدى مما يوغل الصدور ويزيد في النزاع والخصومات والفتنة وتعظيم المسائل أكثر من حجمها، وينبغي للمسلمين أن يهتموا بالأولويات، أن يهتموا بالمسائل العظمى فيما يحتاج إليه الناس ثم ينزلون, ويدعوا سفاسف الأمور والخلافات الجزئيات حتى يتفق الناس على الكليات, ثم بعد ذلك يقوموا