وذاك الذي لم يعمل خيرًا قط, لما كان العمل ذلك مقترنًا في خاتمته بالوجل والخوف أضعف هذا العمل وأوجب التوبة والرحمة من الله سبحانه وتعالى, ولهذا نقول: إن الذنب العظيم إذا وجل منه القلب وخاف من عقاب الله سبحانه وتعالى عليه فإنه يقل أثرًا على صاحبه حتى تقوى عليه أدنى الطاعات فتمحوه, ولهذا جاء في الصحيح من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (بينما امرأة بغي من بني إسرائيل) , والبغي هي التي تتاجر بالزنا, ففعلها أعظم من مجرد الزنا, (بينما كانت امرأة بغي من بني إسرائيل تمشي فرأت كلبًا يلعق الثرى من العطش, فنزعت موقها(يعني: خفها) فنزلت في بئر فسقت له فاستغفرت فغفر الله عز وجل لها) , هذا فيه إشارة إلى أن هذا الجرم العظيم, وهو الذنب, وهو من السبع الموبقات, غفره الله عز وجل لصاحبته بسبب عمل وهو إسقاء الكلب, وذكر الكلب مع أن اقتناء الكلب محرم من غير ما أذن الله عز وجل فيه؛ ككلب الحراسة والماشية والزراعة أو الصيد ونحو ذلك.
الله عز وجل جعل موازنة, فالحسنات تمحو السيئات, لله عز وجل سنة في ذلك, ومن رحمة الله عز وجل أن العمل إذا كان عظيمًا وفعله الإنسان بوجل يختلف عن فعله من غير وجل ولا اكتراث, ولهذا ربما تكون الصغائر عند بعض العباد كبائر إذا كانوا لا يكترثون, وكلما قام داعي الذنب في نفس الإنسان اختلف عنه إذا لم يقم داعيه, ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم فرق بين الأشيمط الزاني وغيره, وفرق بين الملك الكذاب وغيره, وهذا دليل على أن الداعي إذا ضعف كان دليلًا على عدم مبالاة الفاعل بمعصيته لله سبحانه وتعالى, ولهذا لله عز وجل حكمة في التعامل مع ذنوب المخلوقين, لهذا نقول: إن زيادة الإيمان ونقصانه مردها إلى عمل الظاهر وعمل الباطن جميعًا ولو كان في صورته واحدًا, ولهذا نقول: إن لله عز وجل حساب دقيق وحكمة في التعامل مع ذنوب المخلوقين, فهذه البغي ضعف عملها ذلك وهو عند الله عز وجل عظيم من جهة الأصل لوجلها؛ لأنها سقت الكلب واستغفرت من ذلك الذنب, إذًا هو حاضر أو ليس بحاضر؟ حاضر وإلا ما بادرت بقرن التوبة وطلبت الغفران بسقي الكلب, ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم جعل سقي الكلب موجبًا لغفران ذلك الذنب, ولهذا نقول: إن سقي الكلب هو من الحسنات ولكن البغي ذنب أعظم من ذلك, ولكن لما كان القلب وجلًا ضعف ذلك الذنب حتى قوي عليه ذلك العمل, وهذا كما أنه في مسألة المقاومة للسيئات كذلك أيضًا بالنسبة للحسنات مع السيئات.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ولا يكمل قول الإيمان إلا بالعمل] .
قال: (لا يكمل قول الإيمان إلا بالعمل) تقدم معنا أن الإيمان: قول وعمل واعتقاد, كلام المصنف يحتمل أن يكون الإيمان مكملا للقول ويحتمل أن يكون منفردا عنه، والعبارة الدقيقة أن نقول: إن الاعتقاد لا يصح إلا بالقول والعمل, والقول لا يصح إلا بالاعتقاد والعمل, والعمل لا يصح إلا بالقول والاعتقاد, أي أنه لا بد من