فهرس الكتاب
يخضعوا ويقبلوا الحق, بخلاف القلوب المتصلبة فربما تتشرب الكفر كما يتشرب الإسفنج الماء, أو كما تتشرب الأرض الماء، فلا يستطيع الإنسان أن يعيد الماء من تراب قد شربه ولا يستطيع الإنسان إخراجه، فلهذا الأرض الممتلئة والمشبعة بالماء إذا سقيت بماء آخر فإنه يطفح عليها, وكذلك حال الإنسان وقلبه إذا كان ممتلئًا بالحق وجاءه الباطل خرج منه؛ لأنه ممتلئ، وأعظم النفوس عنادًا التي تُشرب الباطل، ولهذا يقول الله جل وعلا عن بني إسرائيل في العجل: وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ [البقرة:93] ، يعني: أن قلوبهم تشربت حب العجل حتى صعب أو شق عليهم أن يتحولوا.
قوله: (وتنبيههم على معالم الديانة وحدود الشريعة ليراضوا عليها, وما عليهم أن تعتقده من الدين قلوبهم) . الشريعة لها حدود حدها الله عز جل، يقول سبحانه وتعالى: وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ [الطلاق:1] ، فالله عز وجل قد جعل حدود الدين على معالم مرسومة, وأمر بلزومها وعدم الخروج منها, وحذر الله جل وعلا أيضًا من الابتداع والإحداث في دينه، ولهذا يقول الله جل وعلا: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ [الأنعام:153] ، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في الصحيحين من حديث عائشة: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) ، وفي مسلم من حديث عائشة: (من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد) ، ولهذا نقول: إن مسائل الشريعة محدودة ومبصومة, وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الخروج عنها، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (عليكم بسنتي) ، ثم قال بعد ذلك عليه الصلاة والسلام بعدما أوصى بالصحابة وكذلك بسنتهم قال: (وإياكم ومحدثات الأمور) ، يعني: ما كان خارجًا عن الشريعة من أمور الديانة فهو ضلالة وبدعة في دين الله سبحانه وتعالى.
قوله: (وما عليهم أن تعتقده من الدين قلوبهم، وتعمل به جوارحهم, فإنه روي أن تعليم الصغار لكتاب الله يطفئ غضب الله, وأن تعليم الشيء في الصغر كالنقش في الحجر) ، وهذا أمر معلوم, فالإنسان إذا تعلم ابتداء فإنه يتشرب الشيء ولا يزول عنه, وكلما اعتاد الإنسان على شيء ثبت ورسخ عليه، وكما ذكر فإن العلم في الصغر كالنقش في الحجر, وهذا أمر مجرب, وتحفيظ الصغار للعلم وتثبيت العلم فيهم ابتداء, هذا مما يقوي الملَكَة لديهم ويرسخ المعلومة؛ وذلك لأن القلب خالٍ ولم ينشغل بأمور الدنيا وهمومها، ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتعليم الصبية والمبادرة بذلك، قبل أن يعلَّم شيئًا من أنواع العلم الذي لا يريده, فيعلم الابن الجهالة أو الضلال أو الانحراف، ونحن في زمن قد كثرت منافذ التعليم والتلقي عند الصغار، وقد فتحت الفتن بجميع أنواعها من فضائيات ومسموعات ومقروآت, وكذلك ملاهي متنوعة, فإذا أغرق وأشبع قلب الإنسان بذلك من صغره صعب عليه أن يوضع فيه غير ذلك، ولهذا ندعو إلى المبادرة بتعليم الصبيان قبل أن يُبادَروا بخلاف ذلك، فالشوارع تضع, والمدارس تضع, والإعلام يضع, والأصحاب