فهرس الكتاب

الصفحة 23 من 75

أحمد بن يحيى أنه قال: قال الأخفشُ في قوله: {جَعَلَهُ دَكًّا} بالتنوين: كأنه قال: دَكّه دَكًّا، مصدرٌ مُؤَكِّدٌ، قال: ويجوز: جَعَلَهُ أرضًا ذاتَ دَكٍّ، كقوله: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} ، قال: ومن قرأها:"دَكَّاءَ"ممدودًا أراد: جَعَلَهُ مِثْلَ دَكَّاءَ، وحَذَفَ"مِثْلَ".

وقال مَكِّيُّ بنُ أَبِي طالبٍ [1] :"وقال الأخفش هو مفعولٌ [2] ، وفيه حذفُ مضافٍ-أيضا-؛ لأن الفعل الذي قبله وهو"جَعَلَهُ"ليس مِنْ لفظه، وتقديره: وجعله ذَا دَكٍّ أي: ذَا استواءٍ".

كما أضاف ابنُ منظور جملةً لَمْ تَرِدْ فِي نَصِّ الأزهريِّ ولا مكيٍّ، فقال [3] :"الأَخفش: أَرْضٌ دَكٌّ، والجمع دُكُوكٌ، قال الله-تعالى-: {جَعَلَهُ دَكَّا} ، قال: ويحتمل أَن يكون مصدرًا؛ لأنه حين قال: {جَعَلَه} كأَنه قال: دَكَّهُ، فقال دَكَّهُ دَكًّا، أَو أَراد: جَعله ذا دَكٍّ فحذف، وقد قُرِئَ بالمَدِّ، أي جعله أرضًا دَكَّاء، فحذف لأَن الجبل مذكر".

ورأى ثعلب أنه لا حاجة إلى تقديرِ مضافٍ كما رأى الأخفشُ، فقال [4] :"ولا حاجةَ به إلى"مثل"، وإنما المعنَى: جَعَلَ الجبالَ أَرْضًا دَكَّاءَ واحدًا".

يعني ثعلب أن الآية على حذف الموصوف وإقامةِ الصفة مُقامه كما سبق، فحذف"أَرْضًا"، وأقيمت"دكاء"مقامه، قال الأزهري [5] : "ومن قرأ:"دَكَّاءَ"فالمعنى: جعلها أرضًا دَكَّاءَ على "فعلاء"، وهي المستوية".

ومما سبق يتضح لنا أن اعتراض ثعلب إنما على تخريج الأخفش لقراءة"دَكَّاءَ"بالمد، وليس على تخريجه لقراءة"دَكًّا"بالقصر.

وبقول ثعلبٍ قال الأزهريُّ والباقولِيُّ [6] ، وأبو حيان [7] .

وأرى أن قول كُلٍّ من الأخفش وثعلب جائزٌ، فيجوز أن يكون"دَكًّا"مفعولًا مطلقًا للفعل"جَعَلَ"، ويجوز أن يكون صفة لموصوف محذوف: أي جعله ذا دَكٍّ، فيكون مفعولًا به، ولكن على قراءة"دَكَّاءَ"بالمد أرى أن قول الأخفش-:إنه على حذف مضاف، أي: مثل دكاء من باب {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} -ضعيفٌ، وأن قول ثعلب-: إنه صفة لموصوف محذوف أي: أَرْضًا دَكَّاءَ-أقوى منه؛ لأن حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه كثير.

(1) مشكل إعراب القرآن 1/ 330.

(2) يعني المفعول المطلق.

(3) لسان العرب 2/ 401، 402 دكك.

(4) ذكر الأزهري قوله في التهذيب 9/ 437 دكك، وابن منظور في اللسان 2/ 402 دكك.

(5) معاني القراءات 1/ 422.

(6) ينظر: كشف المشكلات وإيضاح المعضلات للباقولي 1/ 475.

(7) البحر المحيط 4/ 373.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت