المسألة الثانية
قوله - عز وجل: {لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ} [1]
ذهب الأخفش إلى أن اللام من"لَمَا"في قوله - عز وجل: {لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ ... } هي لام الابتداء، و"ما"اسمٌ موصولٌ مبتدأ، وجملة"آتيتكم"صلته، والعائد محذوف أي: آتيتكموه، وخبر المبتدأ"جملة"لما آتيتكم"، أو"مِنْ كِتَابٍ"على تقدير زيادةِ"مِنْ"، وأن اللام في"لتنصرنه"واقعة في جواب قسم مقدر أي: والله لتؤمنن به."
وذهب ثعلب إلى أن اللام في"لما آتيتكم"موطئة لقسم محذوف، و"ما"شرطية، وجملة"لتؤمنن"جواب للقسم المحذوف [2] .
قال الأخفش [3] : "قال الله-تعالى-: {لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ} فاللام التي مع"ما"في أول الكلام هي لام الابتداء، نحو: لَزَيْدٌ أَفْضَلُ مِنْكَ؛ لأن "مَا آتَيْتُكُمْ"اسمٌ، والذي بعده صلة، واللام في"لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ"لاَمُ القَسَمِ [4] ، كأنه قال: والله لَتُؤْمِنُنَّ به، فَوَكَّدَ في أول الكلام وفى آخره، كما قال: أمَا واللهِ أَنْ لَوْ جِئْتَنِي لكان كذا وكذا، وقد يُسْتَغْنَى عنها، وَوَكَّدَ في"لَتُؤْمِنُنَّ"باللام في آخر الكلام، جعل خبر"مَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ":"لتؤمنن به"، مثل: ما لِعَبْدِ اللهِ-وَاللَّهِ-لَتَأْتِيَنَّهُ، وإن شئت جعلت خبر"مَا":"مِنْ كِتَابٍ"، تريد: لَمَا آتيتكم كتابٌ وحكمةٌ، وتكون"مِنْ"زائدةً".
وما قاله الأخفش هنا تَابَعَ في بعضه الخليلَ وسيبويه، فقد ذهب كلاهما إلى أن"ما"في"لَمَا"موصولة، ولكنهما ذَهَبَا إلى أن اللام في"لَمَا"موطئةٌ لِقَسَمٍ محذوفٍ، وليست لامَ الابتداءِ، قال سيبويه [5] : "وسألته [يعني الخليل] عن قوله - عز وجل: {لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ} ، فقال:"ما"هاهنا بمنزلة "الذي"، ودخلتها اللام كما دخلت على"إن"حين قلت: والله لئن فعلتَ لأفعلنَّ، واللام التي في"ما"كهذه التي في "إن"، واللام التي في الفعل كهذه التي في الفعل هنا. ومثل هذه اللام الأولى"أنْ"إذا قلت: والله أنْ لو فعلتَ لفعلتُ، وقال:"
(1) سورة آل عمران الآية 81.
(2) قال الأنباري: "وإذا كانت [يعني"ما"] شرطيةً فهي في موضع نصب بـ"آتيتكم"، و"آتيتكم"في موضع جزم بـ"ما"، وكذا "ثم جاءكم"في موضع الجزم، وقوله:"لتؤمنن به"جواب قسم مقدر ينوب عن جواب الشرط، واللام في"لما"بمنزلة اللام في"لئن"في قوله-تعالى-: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا القُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ} "-البيان في غريب إعراب القرآن 1/ 209.
(3) معاني القرآن 1/ 209.
(4) يعني أن هذه اللام جوابٌ لقَسَمٍ مقدرٍ.
(5) الكتاب 3/ 107، 108.