المسألة الثالثة
قوله - عز وجل: {فَذَانِّكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ} [1]
ذهب الأخفش إلى أَنَّ عِلَّةَ تشديد النون في قوله-تعالى-: {فَذَانِّكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ} على قراءة تشديد النون هي التأكيد، وحكى ثعلب قوله، ولم يعترض عليه بشيء، ويفهم من هذا ارتضاؤه قول الأخفش.
قال الأخفش [2] :"وقال: {فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ} ثقل بعضهم، وهم الذين قالوا: ذلك، أدخلوا التثقيل للتأكيد، كما أدخلوا اللام في ذلك".
وقد حكى الأزهري قول الأخفش وحكاية ثعلب عنه، فقال [3] :"وأخبرني المنذري عن أبي العباس قال: قال الأخفش في قوله-تعالى-: {فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ} قال: وقرأ بعضهم:"فَذَانِّكَ بُرْهَانَانِ"، قال: وهم الذين قالوا: ذلك، أدخلوا التثقيل للتأكيد، كما أدخلوا اللام في"ذلك". قال أبو العباس: وقال الفراء: وشددوا هذه النون ليفرق بينها وبين النون التي تسقط للإضافة؛ لأن"هذان"و"هاتان"لا تضاف".
والذي قاله الأخفش وحكاه عنه ثعلب هو ما ذهب إليه كثير من العلماء، قال أبو عبيدة [4] :"ونون قوله:"فَذَانِّكَ"مشددة لأنها أشد مبالغةً منه إذا خففتها، وقد يخفف في الكلام".
وقال المبرد [5] :"ومن قال في الرجل: ذلك، قال في الاثنين: ذَانِّكَ بتشديد النون، تُبْدِلُ من اللام نونًا، وتدغم إحدى النونين في الأخرى، كما قال - عز وجل: {فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ} ".
وقال الزجاج [6] :"تقرأ بتخفيف النون وتشديدها:"فَذَانِّكَ"، فكأن"فَذَانِّكَ"تثنية"ذلك"، و"ذانِك"تثنية"ذاك"، جُعِلَ بَدَلَ اللامِ في"ذَلِكَ"تشديدُ النون في"ذَانِّكَ"."
ومثلَه قال ابن السراج والنحاس والأزهري [7] .
وفي علة التشديد ثلاثة أقوال أخرى:
(1) سورة القصص من الآية 32، وهذه قراءة تشديد النون، وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو ويعقوب ورُوَيْسٌ، ينظر: السبعة ص 493 - معاني القراءات للأزهري 2/ 251 - الحجة للفارسي 5/ 419 - البحر المحيط 7/ 103 - إتحاف فضلاء البشر 2/ 343، وهي لغة قريش كما قال أبو عمرو، ينظر: جامع البيان 20/ 92 - الكشف والبيان 7/ 249 - الوسيط للواحدي 3/ 398 - أمالِيُّ ابن الشجري 3/ 55.
(2) معاني القرآن 2/ 433.
(3) تهذيب اللغة 15/ 34 ذا.
(4) مجاز القرآن 2/ 104.
(5) المقتضب 3/ 275، وينظر أيضا: البيان في غريب إعراب القرآن 2/ 232 - شرح المفصل لابن يعيش 3/ 135، 136.
(6) معانِي القرآن وإعرابه 4/ 143.
(7) ينظر: الأصول في النحو 2/ 128 - إعراب القرآن للنحاس 3/ 237، 238 - معاني القراءات 2/ 251.