المسألة العاشرة
قوله - عز وجل: {ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ} [1]
ذهب الأخفش إلى أن فاعل"بدا"في هذه الآية ضمير يعود على مصدر محذوف من لفظ الفعل، أي: بدا لهم بَدْوٌ، ونقل العلماء عن ثعلب وغيره من الكوفيين أن الفاعل جملة"ليسجننه".
قال الأخفش [2] :"وقال: {ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ} ، فأدخل النون في هذا الموضع؛ لأن هذا موضع تقع فيه"أيٌّ"، فلما كان حرف الاستفهام يدخل فيه، دخلته النون؛ لأن النون تكون في الاستفهام، يقول: بدا لهم أيُّهُمْ يأخذون؟ أي: استبان لهم".
والأخفش في قوله هذا متابع لما قاله سيبويه، فقد قال سيبويه [3] :"وقال - عز وجل: {ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ} لأنه موضع ابتداء، ألا ترى أنك لو قلت: بدا لهم أَيُّهُمْ أَفْضَلُ، لَحَسُنَ كَحُسْنِهِ في"عَلِمْتُ"كأنك قلت: ظَهَرَ لهم أَهَذَا أَفْضَلُ أم هَذَا؟".
أما ثعلب فقد قال [4] :"وقال الأخفش: معنى قوله-تعالى-: {ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ} قال: لما كانت"أَيٌّ"تقع هاهنا، وقعت اللام".
هذا ما ورد في المجالس، ويبدو أن في النص سقطا كما ذكر الأستاذ عبد السلام هارون، وقال ثعلبٌ-أيضا- [5] :" {ثُمَّ بَدَا لَهُمْ} : أي: ظهر لهم من الرأي، وكل ظاهر فهو غير مهموز، فإذا أردت ابتداء الرأي همزته، فقلت: بدأت الرأي وابتدأته وأبدأته، قال الله - عز وجل: {اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ} [6] ".
وهذا أيضا ما ورد في شرح ثعلب لديوان زهير، ولكن النحاة نقلوا عن أبي العباس ثعلب وغيرِهِ من الكوفيين أنهم يجيزون وقوع الجملة فاعلًا ونائبَ فاعل، ونقلوا عن ثعلب في الآية التي معنا أن جملة"لَيَسْجُنُنَّهُ"فاعلُ"بَدَا" [7] .
(1) سورة يوسف الآية 35.
(2) معاني القرآن 2/ 366.
(3) الكتاب 3/ 110.
(4) مجالس ثعلب 2/ 591.
(5) شرح ديوان زهير لثعلب ص 34.
(6) سورة الروم الآية 11.
(7) اختلف النحاة في الفاعل ونائبه، هل يكونان جملة أم لا؟، قال ابن هشام:"فالمشهور المنع مطلقا، وأجازه هشام وثعلب مطلقا، نحو: يعجبني قام زيد، وفَصَّلَ الفراءُ وجماعة، ونسبوه لسيبويه فقالوا: إن كان الفعل قلبيا، وَوُجِدَ مُعَلِّقٌ عن العمل نحو: ظهر لي أقام زيد، صح وإلا فلا، وحملوا عليه: {ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا= =الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ} ، ومنعوا: يعجبني يقوم زيد، وأجازهما هشام وثعلب، واحْتَجَّا بقوله:"
*وَمَا رَاعَنِي إِلاَّ يَسِيرُ بِشُرْطَةٍ*
ومنع الأكثرون ذلك كله، وَأَوَّلُوا ما ورد مما يوهمه"-مغني اللبيب ص 559."
واشترط الفراء لوقوع الجملة فاعلا أن يكون العامل فعلا قلبيا، ففي قوله-تعالى-: {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ} قال الفراء:"صار قوله - عز وجل: {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ} يمينًا كما تقول: حَلِفِي لأَضْرِبَنَّكَ، وبَدَا لي لأَضْرِبَنَّكَ، وكل فعل كان تأويله كتأويل"بَلَغَنِي"و"قيل لي"و"انتهى إِلَيَّ"، فإن اللام و"أَنْ"تصلحان فيه، فتقول: قد بَدَا لي لأَضْرِبَنَّكَ، وبَدَا لي أَنْ أَضْرِبَكَ، فلو كان: وتَمَّتْ كلمةُ رَبِّكَ أَنْ يَمْلأَ جَهَنَّمَ، كان صوابًا، وكذلك: {ثُمَّ بَدَا لَهُم مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ} ولو كان: أَنْ يَسْجُنُوهُ، كان صوابًا"-معاني القرآن للفراء 2/ 31، وذكر ذلك في عدة مواضع من المعاني، ينظر: 1/ 328، 2/ 207، 258، 413، 3/ 6، وهذا الذي رآه الفراء نسبه كثيرٌ من النحاة لسيبويه.
وينظر في هذه المسألة وفي آية يوسف: إعراب القرآن للنحاس 2/ 329، 5/ 179 - المسائل الحلبيات ص 239: 243 - المسائل العضديات ص 110، 111 - الإغفال 1/ 99، 100 - الانتصار لابن ولاد ص 186: 188 - الخصائص 2/ 434، 435 - المحرر الوجيز 3/ 242 - التبيان للعكبري 1/ 28، 2/ 732 - شرح المفصل 4/ 26 - البحر المحيط 4/ 86، 5/ 306 - الدر المصون 6/ 494 - اللباب في علوم الكتاب 11/ 97، 97 وغيرها.