المسألة السابعة عشرة
قوله - عز وجل: {وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ} [1]
ذهب الأخفش إلى أن المعنى في هذه الآية: إنكم لا تُعْجِزُونَنَا هَرَبًا في الأرض ولا في السماء، وذهب ثعلب إلى أن في الآية حذفا، وأن المعنى: وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا أنتم لو كنتم في السماء بمعجزين [2] .
قال الأخفش [3] :"وقال: {وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ} أي: لا تُعْجِزُونَنَا هَرَبًا في الأرض ولا في السماء".
وقول الأخفش يفسره قولُ المُبَرِّدِ في مثل هذه الآية [4] :"وفي كتاب الله - عز وجل: {يَسْألُهُ مِنْ في السَّماواتِ والأرضِ} [5] ، فالقول عندنا أن"مَنْ"مشتملة على الجميع؛ لأنها تقع للجميع على لفظ الواحد، وقد ذهب هؤلاء القوم إلى أن المعنى: ومَنْ في الأرض. وليس المعنى عندي كما قالوا، وقالوا في بيت حسان:"
فَمَنْ يَهْجُو رَسُولَ اللَّهِ مِنْكُمْ ... وَيَمْدَحُهُ وَيَنْصُرُهُ سَوَاءُ [6]
إنما المعنى: ومَنْ يمدحه وينصره، وليس الأمر عند أهل النظر كذلك، ولكنه جعل"مَنْ"نكرة، وَجَعَلَ الفِعْلَ وَصْفًا لها، ثم أقام في الثانية الوصف مقام الموصوف، فكأنه قال: وواحد يمدحه وينصره؛ لأن الوصف يقع في موضع الموصوف إذ كان دَالاًّ عليه، وعلى هذا قول الله - عز وجل: {وَإنْ مِنْ أهلِ الكِتابِ إلا لَيُؤمِنَنَّ بِهِ} "."
وقد اعترض ثعلبٌ على قول الأخفش، ورَجَّحَ عليه قولَ الفراء، ثم ذكر قولًا آخَرَ في الآية، قال ثعلب [7] :"قال الأخفش: معناه: ما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء، أي لا تعجزوننا هَرَبًا في الأرض ولا في السماء. قال أبو العباس: وقول الفراء أشهر في المعنى، ولو كان قال: ولا أنتم لو كنتم في السماء بمعجزين لكان جائزًا".
(1) سورة العنكبوت الآية 22.
(2) وفي الآية قول آخر لقطرب، قال الجبلي:"وقال قطرب: معناه: ولا فِي السماء لو كنتم فيها كقولك: لا يفوتني فلانٌ بالبصرة ولا هاهنا فِي بلدي، وهو معك فِي البلد، أي: ولا فِي البصرة لو صار إليها"-البستان في إعراب مشكلات القرآن ص 263.
(3) معاني القرآن 2/ 436.
(4) المقتضب 2/ 137.
(5) الرحمن 29.
(6) البيت من الوافر لحسان بن ثابت، وهو في ديوانه ص 76، وينظر: المقتضب 2/ 137 - الأصول 2/ 177 - إعراب القرآن للنحاس 2/ 353 - ارتشاف الضرب 2/ 1045 - مغني اللبيب ص 815.
(7) ينظر قوله في التهذيب 1/ 340 عجز، وينظر: لسان العرب 4/ 263 عجز.