المسألة الخامسة
قوله - عز وجل: {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُم} [1]
ذهب الأخفشَ إلى أن مَعْنَى"ولا يجرمنكم": لا يَحِقَّنَّ لكم، واعترض عليه ثعلب، وذهب إلى أن المعنى: لا يَحْمِلَنَّكُمْ، ولا يُكْسِبَنَّكُمْ.
قال الأخفش [2] :"وقال: {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ} أي: لاَ يَحِقَّنَّ لَكُمْ؛ لأن قوله: {لاَ جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ} [3] إِنَّمَا هُوَ: حَقَّ أَنَّ لَهُم النَّارَ، قال الشاعر:"
وَلَقَدْ طَعَنْتَ-أَبَا عُيَيْنَةَ-طَعْنَةً ... جَرَمَتْ فَزَارَةُ بَعْدَهَا أَنْ يَغْضَبُوا [4]
أي: حَقَّ لها"."
وقد اعترض ثعلب على ما قاله الأخفش، قال الأزهري [5] :"قال أبو العباس: قال الأخفش: أي: لا يَحِقَّنَّ لكم؛ لأن قوله-تعالى-: {لاَ جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ} إنما هو: حَقَّ أَنَّ لهم النارَ، وَأَنْشَدَ:"
*جَرَمَتْ فَزَارَةُ بَعْدَهَا أَنْ يَغْضَبُوا*
يقول: حَقَّ لَهَا. قال أبو العباس: أما قوله:"لا يَحِقَّنَّ لكم"، فإنما أَحْقَقْتُ الشيءَ: إذا لم يكن حَقًّا، فجعلته حقا، وإنما معنى الآية-والله أعلم-في التفسير: لا يَحْمِلَنَّكُمْ ولا يُكْسِبَنَّكُمْ"."
وهذا الخلاف بين الأخفش وثعلب إنما هو في الحقيقة خلافٌ بين البصريين والكوفيين في تفسير"لا جرم"، فتفسير الأخفش هو تفسير البصريين، وتفسير ثعلب هو تفسير الكوفيين.
فقد ذهب سيبويه والبصريون إلى أن"جرم"فعل ماض معناه: حَقَّ، قال سيبويه [6] :"وأما قوله - عز وجل: {لاَ جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ} فـ"أنَّ"جَرَمَ عَمِلَتْ فيها لأنها فِعْلٌ، ومعناها: لقد حَقَّ أن لهم"
(1) سورة المائدة الآية 2.
(2) معاني القرآن 1/ 250.
(3) سورة النحل 62.
(4) البيت من الكامل، لأبى أسماء بن الضريبة، وقيل: لعطية بن عفيف، ونسبه سيبويه للفزارى، وقال ابن السيد:"ووقع في بعض النسخ:"ولقد طعنتُ"بضم التاء، وهو غلط، والصواب فتحها؛ لأن الشاعر خاطب بها كرزا العقيلي، وكان طَعَنَ أبا عيينة وهو حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري يوم الحاجر"-الاقتضاب 3/ 65.
ينظر: الكتاب 3/ 138 - مجاز القرآن 1/ 147 - أدب الكاتب ص 50 - حروف المعاني ص 72 - الصاحبي ص 220 - المخصص 3/ 117 - الاقتضاب 2/ 35، 3/ 65 - اللسان 1/ 605 جرم-الخزانة 10/ 283.
(5) تهذيب اللغة 1/ 65 جرم، وينظر-أيضا-:اللسان 1/ 412 جرم-القرطبي 6/ 44، 45 - البحر المحيط 4/ 410 - الدر المصون 4/ 188.
(6) الكتاب 3/ 138.