المسألة السادسة عشرة
قوله - عز وجل: {أَلَا يَسْجُدُوا لِلَّهِ} [1]
في هذه الآية قراءتان، إحداهما: بتخفيف لام"أَلاَ"، والأخرى: بتشديدها [2] ، والخلاف هنا إنما هو في توجيه قراءة التخفيف، فذهب الأخفش إلى أن قراءة التخفيف تُخَرَّجُ على أن"يا"فيها للتنبيه لا للنداء، وأن التقدير: أَلاَ اسْجُدُوا، وذهب ثعلب إلى أنها"يا"النداء، وأن المنادى محذوف، والتقدير: أَلاَ يا هؤلاءِ اسْجُدُوا.
قال الأخفش [3] :"وقال: {أَلاَ يَسْجُدُوا} يقول: زَيَّنَ لهم الشيطانُ أعمالَهُمْ لئلا يسجدوا، وقال بعضهم: {أَلاَ يَسْجُدُوا} فجعله أمرًا، كأنه قال لهم: أَلاَ اسْجُدُوا"، وزاد بينهما"يا"التي تكون للتنبيه، ثم أَذْهَبَ أَلِفَ الوصل التي في"اسجدوا"، وأُذْهِبَت الأَلِفُ التي في"يا"لأنها ساكنة لقيت السينَ، فصارت:"أَلاَ يَسْجُدُوا"، وفي الشعر:
*أَلاَ يَا اسْلَمِي يَا دَارَ مَيَّ عَلَى البِلَى [4] *
وإنما هي: ألا يا اسلمي"."
وممن ذهب إلى ما ذهب إليه الأخفش: أبو عبيدة والزجاج والفارسي وابن جني وابن عصفور والمالقي وأبو حيان [5] .
أما قول ثعلب فقد حكاه الأزهري، فقال [6] :"قال أحمد بن يحيى: قال الأخفش في قوله: {أَلاَّ يَسْجُدُوا لِلَّهِ} بالتشديد، يقول: زَيَّنَ لهم الشيطانُ أعمالَهُمْ لئلا يسجدوا، قال [7] وقرأ بعضهم:"
(1) سورة النمل الآية 25.
(2) قرأ الكسائي:"أَلاَ"بتخفيف اللام، وهي أيضا قراءة ابن عباس ورُوَيْسٍ وأبي جعفر المدني والحسن والشَّنَبُوذِيِّ والمُطَّوِّعِيِّ والزُّهْرِيِّ والسُّلَمِيِّ وحُمَيْدٍ وطلحة ويعقوب، وقرأ بقية السبعة بتشديدها.
ينظر: السبعة ص 480 - حجة أبي زرعة ص 526 - التيسير للداني ص 167 - الكشف عن وجوه القراءات 2/ 156 - البحر المحيط 7/ 65 - النشر 2/ 337 - إتحاف فضلاء البشر ص 336.
(3) معاني القرآن 2/ 429.
(4) هذا صدر بيت من الطويل، لذي الرمة، وعجزه:
* وَلاَ زَالَ مُنْهَلاًّ بِجَرْعَائِكِ القَطْرُ*
وهو في ديوانه ص 1/ 559، وينظر: مجاز القرآن 2/ 94 - مجالس ثعلب 1/ 34 - معاني القرآن وإعرابه 4/ 88 - إيضاح الوقف والابتداء 1/ 171 - الخصائص 2/ 278 - الإنصاف ص 100 - أوضح المسالك 1/ 235 - مغني اللبيب ص 320 - الدر المصون 8/ 599.
(5) ينظر: مجاز القرآن 2/ 93، 94 - معاني القرآن وإعرابه 4/ 115، 116 - كتاب الشعر ص 66 - المسائل البصريات ص 324 - الخصائص 2/ 195، 196، 376، 377 - شرح جمل الزجاجي 1/ 44، 2/ 571، 572 - رصف المباني ص 451: 453 - البحر المحيط 7/ 66.
(6) معاني القراءات 2/ 238، 239.
(7) يعني الأخفش.