المسألة الرابعة
قوله - عز وجل: {وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ} [1]
ذهب الأخفش إلى أن"رِبِّيُّونَ"في الآية منسوب إلى"الرَّبِّ"، وخَطَّأَهُ ثعلبٌ واختار أن الرِّبِّيَّ منسوب إلى الرِّبَّةِ، وهي الجماعة [2] .
قال الأخفش [3] :"وقوله: {رِبِّيُّونَ} يعنى: الذين يعبدون الرَّبَّ-تعالى-، وَوَاحِدُها رِبِّىٌّ".
فهذا النص يُفْهَمُ منه أن الأخفش يرى أنه منسوب إلى الرَّبِّ، وقد قرأ ابنُ عباس وأنس وأبو مِجْلَزٍ وأبو العالية والجَحْدَرِيُّ:"رَبِّيُّونَ"بفتح الراء.
وهذه القراءةُ-وإن كانت شاذَّةً-تشهد بصحة قول الأخفش [4] .
وقد حَكَى ثعلبٌ قولَ الأخفش، ثم اعترض عليه بأنه لو كان مَنْسُوبًا إلى الرَّبِّ لقيل: رَبِّيُّونَ، قال الأزهريُّ [5] :"قال أبو العباس أحمدُ بن يحيى: قال الأخفش: الرِّبِّيُّونَ: مَنْسُوبُونَ إلى الرَّبِّ. قال أبو العباس: ينبغي أن تُفتح الراء على قوله. قال: وهو على قراءة القُرَّاءِ [6] من الرِّبَّةِ، وهى الجماعة".
ويؤيد قولَ ثعلبٍ ما ذهب إليه أكثر المفسرين من أن الرِّبِّيِّينَ هم الجماعات الكثيرة [7] ، ومن ذلك ما حكاه ابن الأنباري أن نافع بن الأزرق سأل ابن عباس قائلًا:"أَخْبِرْنِي عن قول الله-تعالى-: {قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ} ، ما الرِّبِّيُّونَ؟ قال: الجُمُوعُ الكثيرةُ، قال فيه حَسَّانُ بن ثابتٍ:"
وَإِذَا مَعْشَرٌ تَجَافَوْا عَنِ الحَقْ ... (م) ... قِ حَمَلْنَا عَلَيْهِمْ رِبِّيَّا" [8] ."
وقد دافع بعض العلماء عن قول الأخفش، وقالوا: العرب تَنْسِبُ الشيءَ إلى الشيءِ، فَتُغَيِّرُ حَرَكَتَهُ، كما قالوا: بِصْرِيٌّ في النسبة إلى البَصْرَةِ، وحِرْمِيٌّ في النسب إلى الحَرَمِ [9] .
(1) سورة آل عمران من الآية 146.
(2) وهو قول يونس بن حبيب كما ذكر ابن عطية في المحرر الوجيز 1/ 521، وينظر: البحر المحيط 3/ 79، والرُِّبَّةُ بكسر الراء وضمها: لغتان.
(3) معاني القرآن 1/ 217.
(4) وقد قرأ عليُّ بن أبي طالب وابن مسعود وابن عباس-أيضا-وعكرمة والحسن وأبو رجاء وعمرو بن عبيد وعطاء بن السائب:"رُبِّيُّونَ"بضم الباء، قال ابن جني:"الضم في"ربيون"تميمية، والكسر-أيضا-لغة"-المحتسب 1/ 173، وينظر: مختصر في شواذ القرآن ص 29 - زاد المسير 2/ 37 - تفسير القرطبي 4/ 230 - البحر المحيط 3/ 80.
(5) تهذيب اللغة 15/ 178: مادة ربب، وينظر-أيضا-:اللسان 3/ 16: ربب-التاج 2/ 14: ربب.
(6) يعني قراءة الجمهور"رِبِّيُّونَ"بكسر الراء.
(7) ينظر: جامع البيان 4/ 156: 158 - معاني القرآن وإعرابه 1/ 476 - التبيان للطوسي 3/ 10، 11.
(8) إيضاح الوقف والابتداء لابن الأنباري 1/ 78.
(9) الكشف والبيان 3/ 181، 182، وينظر: مشكل إعراب القرآن 1/ 162، 163 - تفسير الرازي 9/ 26، 27 - البحر المحيط 3/ 79، 80.