المسألة الثامنة
قوله - عز وجل: {وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطا} [1]
أوجب النحاة إفراد تمييز العدد المركب، فلا يجوز مجيء تمييزه جمعًا، ولذلك ذهب الأخفش إلى أن"أسباطًا"في هذه الآية صفةٌ لموصوف محذوف يعرب بدلا من"اثْنَتَيْ"، والتقدير: اثْنَتَيْ عَشْرَةَ فِرْقَةً، ثم حُذف الموصوفُ، وأُقِيمَت الصفة مُقَامَةُ، وذهب ثعلب إلى أن الكلام على التقديم والتأخير.
قال الأخفش [2] :"قوله - عز وجل: {اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا} أراد: اثنتي عشرةَ فِرْقَةً، ثم أخبر أن الفِرَقَ أَسْبَاطٌ، ولم يجعل العدد على الأسباط".
يعني الأخفش بقوله:"ولم يجعل العدد على الأسباط"أن"أسباطًا"ليس تمييزًا للعدد، وإنما هو صفة لـ"فِرْقَةً"المحذوف [3] .
وقد خالفه ثعلبٌ في هذا الإعراب، وحكى الأزهريُّ قولَ الأخفشِ واعتراضَ ثعلبٍ عليه، فقال [4] :"أخبرني المنذريُّ عن أحمد بن يحيى قال: قال الأخفش في قوله: {اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا} فأنَّثَّ لأنه أراد اثنتي عشرةَ فِرْقَةً، ثم أخبر أن الفرق أسباطٌ، ولم يجعل العدد واقعا على الأسباط. وقال أبو العباس: هذا غلط، لا يخرج العدد على غير الثاني، ولكن الفِرَق قَبْلَ"اثنتي عشرة"، حتى تكون"اثنتي عشرة"مؤنثة على ما قبلها؛ كأنه قال: قطعناهم فرقًا اثنتي عشرة، فيصحّ التأنيث لما تقدّم".
يعني ثعلب بهذا أن الكلام على التقديم والتأخير، وهو ما أراده بقوله:"كأنه قال: قَطَّعْنَاهُمْ فِرَقًا اثْنَتَيْ عَشْرَةَ".
(1) الأعراف 160.
(2) معاني القرآن 2/ 313.
(3) وقد ذهب ابن هشام إلى ما قاله الأخفش في الآية، ينظر: أوضح المسالك 4/ 257 - شذور الذهب ص 600، 601.
قال الجوهري:"وقوله-تعالى-: {وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطا} فإنما أَنَّثَ لأنه أراد: اثنتي عشرة فرقةً، ثم أخبر أن الفِرَقَ أسباطٌ، وليس الأسباطُ بتفسيرٍ، ولكنه بدل من"اثنتي عشرة"؛ لان التفسير لا يكون إلا واحدًا منكورًا، كقولك: اثني عشر درهمًا، ولا يجوز دَرَاهِمَ"-الصحاح 3/ 1129.
(4) تهذيب اللغة 12/ 341، 342 سبط، وذكره ابن منظور-أيضا-في اللسان 3/ 236 (سبط) نقلا عن التهذيب، كما ذكره الزبيدي في تاج العروس 10/ 273 (سبط) ، وذكر الطبري قول الأخفش وثعلب بدون أن يسميهما، بل اكتفى بقوله:"بعض نحويي البصرة"، و"بعض نحويي الكوفة"، ينظر: جامع البيان 9/ 119.