المسألة التاسعة
قوله - عز وجل: {لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ} [1]
ذهب الأخفش إلى أن العاصِمَ في هذه الآية بمعنى المعصوم،"فاعل"بمعنى"مفعول"، وأن الاستثناء متصل، فتكون"مَنْ"فِي محل رفعٍ على البدل من"عاصم"، واعترض عليه أبو العباس ثعلبٌ، ورأى أن العاصم على بابه وليس بمعنى المفعول، وأن الاستثناء منقطع.
قال الأخفش [2] :"وقال: {لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ} ، ويجوز أن يكون: لا ذا عِصْمَةٍ، أي: لا مَعْصُومَ، ويكون"إِلاَّ مَنْ رَحِمَ"رَفْعًا بدلًا من العاصم".
ونستخلص من كلام الأخفش أمرين، الأول: أنه يجعل العاصم بمعنى المعصوم،"فاعل"بمعنى"مفعول"، والأمر الثاني: أنه رأى أن"مَنْ"في محل رفع على البدل من"عاصم"، فيكون الاستثناءُ متصلًا، وخبر"لا"هو قوله:"من أمر الله".
وقد اعترض ثعلبٌ على هذين الأمرين، حيث حكى كلام الأخفش ثم رَدَّ عليه، وقد ذكر الأزهري ذلك فقال [3] :"وقال أبو العباس: قال الأخفش في قوله: {لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ} ، يجوز أن يكون: لا ذا عِصْمَةٍ، أي: لا مَعْصُومَ، ويكون"إلا مَنْ رَحِمَ"رَفْعًا بدلًا من"لا عَاصِمَ. قال أبو العباس: وهذا خَلْفٌ من الكلام، لا يكون الفاعل في تأويل المفعول إلا شاذًّا فِي كلامهم، والمرحوم معصومٌ، والأول عاصم، و"مَنْ"نصب بالاستثناء المنقطع، قال: وهذا الذي قاله الأخفشُ يجوز فِي الشذوذ الذي لا ينقاس" [4] ."
(1) سورة هود الآية 43.
(2) معاني القرآن 2/ 353.
(3) ينظر قوله في: التهذيب 2/ 54 عصم، وينظر أيضا في اللسان 4/ 354 عصم.
(4) ما ذهب إليه الأخفشُ من أن"فاعلا"قد يأتي بمعنى"مفعول"أجازه كثير من العلماء في هذه الآية وفي غيرها، كالفراء وقطرب والزجاج والنحاس وابن جني والجوهري، قال الفراء: "وأنت لا يجوز لك في وجهٍ أن تقول: المعصوم عاصم، ولكن لو جَعلت العاصم في تأويل معصوم، كأنك قلت: لا معصوم اليوم من أمر الله، لجاز رفع"مَنْ"، ولا تنكرنَّ أن يخرج المفعول على فاعل؛ ألا ترى قوله: {مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ} فمعناه-والله أعلم-: مدفوق، وقوله: {فِي عِيِشَةٍ رَاضِيَةٍ} معناها مرضيَّة، وقال الشاعر:"
دعِ المكارمَ لا ترحل لِبُغيتها ... واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسى
معناه المَكْسُوُّ، تستدلّ على ذلك أنك تقول: رضيتُ هذه المعيشةَ، ولا تقول: رَضِيَتْ، ودُفِقَ الماءُ، ولا تقول: دَفَقَ، وتقول كُسِيَ العُرْيَانُ، ولا تقول: كَسَا"-معاني القرآن 2/ 15، 16."
وينظر: الأضداد لقطرب ص 86 - معاني القرآن وإعرابه للزجاج 3/ 54، 55 - إعراب القرآن للنحاس 2/ 285 - معاني القرآن للنحاس 3/ 353 - الخصائص 1/ 152، 153 - الصحاح 5/ 1986 عصم.