فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 75

كما أن ابن الأنباريِّ حَكَى عن أبي العباس تفسيرَهُ للعصمة بما يتسق مع قوله السابق، فقال [1] :"قال أبو العباس: العصمة معناها في كلام العرب: المَنْعُ، يقال: قد عَصَمْتُ فُلاَنًا من فلانٍ، إذا مَنَعْتَهُ منه، قال الله - عز وجل: {لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ} معناه: لا مَانِعَ، وقال: {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} [2] فمعناه: يمنعك".

وقال ابنُ الأنباري أيضا [3] :"والعاصم من الأَضداد؛ يقال: الله عاصمٌ لمن أَطاعه، ويقال: رجلٌ عاصم أَي: معصوم، إِذا فُهِمَ المعنى؛ قال الله - عز وجل: {لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْر اللَّهِ إِلاَّ مَنْ رَحمَ} ، فمعناه لا معصوم اليوم مِنْ أَمْرِ الله إِلاَّ المرحوم، ويجوز أَن يكون"عاصم"بمَعْنَى"فاعل"، وتكون"مَنْ"في موضع نصب أَو رفع على الاستثناء المنقطع".

فالأخفش جعل الاستثناء متصلًا، وثعلب جعل"مَنْ"في موضع نصب على الاستثناء المنقطع، وثعلب بهذا موافق لقول سيبويه في الآية، حيث قال [4] :"هذا باب ما لا يكون إلا على معنى"ولكنَّ"، فمن ذلك قوله-تعالى-: {لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْر اللَّهِ إِلاَّ مَنْ رَحمَ} أي: ولكنَّ مَنْ رَحِمَ".

أما الزجاج فقد جعل الاستثناء متصلًا، و"مَنْ"في موضع رفع على أنه خبر"لا"النافية للجنس، فقال [5] :"وتكون"من"على هذا التفسير [يعني تفسير الأخفش] في موضع رفع، ويكون المعنى: لا معصوم إلا المرحومُ".

والذي أراه راجحا من هذين الرأيين هو ما قاله ثعلب من أن العاصم بمعنى المانع، وأنه"فاعل"على بابه؛ لأنه لا حاجة هنا تدعو إلى إخراج الشيء عن أصل استعماله، كما أنه يؤدي إلى اللبس، وهذا ما عَبَّرَ عنه ابنُ وَلاَّدٍ بقوله [6] :"وهذا تأويل فاسد؛ لأن مثل ذا إنما يجوز فيما لا يُلْبِسُ، فأما ما ألبس فلا يجوز فيه ذلك، ألا ترى أنك لو قلت: لا ضارب في الدار، وأنت تريد: مضروبا، لم يعلم المخاطب حقيقة ما أردتَ، وكذلك لو قلت: رأيت زيدا ضاربا، وأنت تريد: مضروبا، لم يعلم ما نويتَ، وفي هذا اختلاط الكلام والتباسه وفساده".

(1) الزاهر في معاني كلمات الناس 1/ 594.

(2) سورة المائدة من الآية 67.

(3) الأضداد ص 128، 129.

وهذا ما ذكره ابنُ فارس حيث قال:"باب المفعول يأتي بلفظ الفاعل، تقول: سِرُّ كاتم أي: مكتوم، وفي كتاب الله-جلّ ثناؤه-: {لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْر اللَّهِ} أي: لا معصوم، و {مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ} ، و {عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ} أي مَرْضِيٍ بها، و {جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا} أي: مأمونًا فيه"-الصاحبي ص 366.

(4) الكتاب 2/ 325.

(5) معاني القرآن 3/ 55.

(6) الانتصار لسيبويه على المبرد ص 165.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت