المسألة السادسة
قوله - عز وجل: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ} [1]
ذهب الأخفش إلى أن الطوفان جمع طوفانة، وذهب ثعلب إلى أنه مصدر كالرُّجْحَانِ وَالنُّقْصَانِ.
قال الأخفش:"وقال: {الطُّوفَانَ} فواحدتها في القياس: الطُّوفَانَةُ، وقال الشاعر:"
غَيَّرَ الجِدَّةَ مِنْ آيَاتِهَا ... خُرُقُ الرِّيحِ وَطُوفَانُ المَطَرْ [2]
وهي من طَافَ يَطُوفُ"."
يعني الأخفشُ بهذا أن الطوفان اسمُ جِنْسٍ جَمْعِيٌّ، وهو ما يُفَرَّقُ بينه وبين وَاحِدِهِ بالتاء غالبًا، كتَمْرٍ وتَمْرَةٍ ونبق ونبقة وشجر وشجرة، قال السمين الحلبي [3] :"الطُّوفَان فيه قولان، أحدهما: أنه جمع طُوْفانةٍ، أي: هو اسم جنس كقمح وقمحة وشعير وشعيرة، وقيل: بل هو مصدر كالنقصان والرجحان، وهذا قول المبرد في آخرين، والأول هو قول الأخفش".
ولكن أبا العباس ثعلبا اعترض على ما قاله الأخفشُ، وذهب إلى أن الطوفان مصدر، وقد حكى الأزهريُّ هذا الاعتراضَ، فقال [4] :"قال أبو العباس: قال الأخفش في قوله: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ} : وَاحِدَتُهُ في القياس: طُوفَانَةٌ، وأنشد فقال:"
غَيَّرَ الجِدَّةَ مِنْ آيَاتِهَا ... خُرُقُ الرِّيحِ وَطُوفَانُ المَطَرْ
قال: وهو من طاف يطوف. وقال أبو العباس: الطوفان مصدر مثل الرُجحان والنُقصان، فلا حاجة إلى أن نطلب له واحدًا"."
(1) الأعراف 133.
(2) البيت من الرمل لحُسَيْلِ بن عُرْفُطَةَ، وجملة"غَيَّرَ الجِدَّةَ ... إلخ"صفة لـ"رَسْمُ"في قوله قبل هذا البيت:
لَمْ يَكُ الحَقُّ عَلَى أَنْ هَاجَهُ ... رَسْمُ دَارٍ قَدْ تَعَفَّى بِالسِّرَرْ
والجِدَّةُ: مصدر جَدَّ الشيءُ يَجِدُّ جِدَّةً، وهو خلاف القديم، وخُرُقُ: فاعل"غَيَّرَ"، وهو جمع خَرِيقٍ، وهي الريح التي تَنْخَرِقُ في الجبال، وطوفان المطر: كثرته.
ينظر: النوادر ص 77 - جامع البيان 9/ 43 - الصحاح 4/ 1397 - المحرر الوجيز 2/ 444 - اللسان 2/ 74، 4/ 206 حزق، طوف-البحر المحيط 4/ 372 - الدر المصون 5/ 433 - خزانة الأدب 9/ 304 - تاج العروس 12/ 361، 13/ 77 طوف، حزق.
(3) الدر المصون 5/ 432، 433.
(4) تهذيب اللغة 4/ 33 طوف، وينظر النص-أيضا-في تفسير الرازي 14/ 218، والجامع لأحكام القرآن 7/ 267، 268، واللسان 2/ 74: طوف، والبحر المحيط 4/ 372.