المسألة الثانية
قوله - عز وجل: {يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ} [1]
ذهب الأخفش إلى أن"مرضعة"في الآية جاء بالهاء؛ لأنه-تعالى-أراد الفعل الذي يقع منها، ولو أراد الصفة لقال: مرضع، ووافقه ثعلب على ذلك، ولم يرده.
قال الأخفش [2] :"قال: {تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ} وذلك أنه أراد-والله أعلم-الفعلَ، ولو أراد الصِّفَةَ فيما نرى لقال: مُرْضِعٌ، وكذلك كل"مُفْعِلٍ"و"فاعل"يكون للأنثى ولا يكون للذكر، فهو بغير هاء، نحو: مُقْرِبٍ ومُوقِرٍ-نَخْلَةٌ مُوقِرٌ-، ومُشْدِنٍ-معها شَادِنٌ-، وحَامِلٍ وحَائِضٍ وفَارِكٍ وطَامِثٍ وطَالِقٍ".
وقد حكى الأزهري تعليق ثعلب على قول الأخفش فقال [3] :"وقال الأخفش: أدخل الهاء في المرضعة لأنه أراد-والله أعلم-الفِعلَ، ولو أراد الصفة لقال: مُرضِع. وقال أبو العباس: الذي قاله الأخفش ليس بخطأ".
وإنما قَبِلَ ثعلبٌ قولَ الأخفش ولم يخطِّئه لأنه موافق لقول الكوفيين في أن علامة التأنيث إنما حذفت من نحو طالق وحائض ومرضع لاختصاص المؤنث به دون المذكر [4] ، قال الفراء [5] :"والمرضِع: التي معَها صبِىٌّ تُرضعه، ولو قيل في الأُمِّ: مُرْضِعٌ لأنَّ الرضاع لا يكون إلا من الإناث، فيكون مثل قولك: طامِثٌ وحَائِضٌ، ولو قيل في التي مَعَهَا صَبِىٌّ: مرضعةٌ، كَانَ صَوَابًا".
وقال الفراء-أيضا- [6] :"وأما الهاء فلها ضُرُوبٌ تقع فيها، فأَوَّلُ ذلك قولهم للرجل: أنت جالسٌ، وللمرأة: أنت جالسةٌ، فالهاء هاهنا أُدْخِلَتْ للتأنيث، لا يكون غيره ... ، إلا أن العرب قالت: امرأة حائضٌ وطاهرٌ وطامث وطالق، وشاة حامل، وناقةٌ عَائِذٌ، للتي عَاذَ بها وَلَدُهَا، فلم يُدْخِلُوا"
(1) سورة الحج الآية الثانية.
(2) معاني القرآن 2/ 413.
(3) ينظر قوله في التهذيب: 1/ 472 رضع.
(4) ينظر اختلاف البصريين والكوفيين في هذه المسألة في: الكتاب 2/ 46، 47 3/ 383 - معاني القرآن للفراء 2/ 214 - إصلاح المنطق ص 341 - المذكر والمؤنث للسجستاني ص 67، 68 - أدب الكاتب ص 200 - المقتضب 3/ 163 - الأصول 3/ 84 - المذكر والمؤنث لابن الأنباري 2/ 85: 95 - إعراب القرآن للنحاس 3/ 85 - تهذيب اللغة 1/ 472 رضع-الصحاح 3/ 1220 رضع-الإنصاف في مسائل الخلاف 2/ 759: 782 - شرح الشافية للرضي 2/ 84: 88، 3/ 329 - اللسان 3/ 80 رضع.
(5) معاني القرآن 2/ 214.
(6) المذكر والمؤنث للفراء ص 52، وينظر: المذكر والمؤنث لابن الأنباري 2/ 89.