أيضًا [1] ، وهذا قول بعضهم [2] ، والفراء يأبى أن تكون"غَيْرِ"نعتًا لغير"الذين"؛ لأنها بمنزلة النكرة عنده، وقال الأخفش:"غير"بدل. قال ثعلب: وليس يمتنع ما قاله، [وهو قريب من قول الفراء] [3] ، ومعناه التكرير، كأنه أراد: صراط غير المغضوب عليهم. وقال الفراء معنى"غير":"لا"، ولذلك ردت عليها"لا"، كما تقول: فلان غير بمعنى سوى لم يجز أن يكرَّ عليها، ألا ترى أنه لا يجوز أن تقول: عندي سوى عبد الله ولا زيد، قال: وقد قال من لا يعرف العربية: إن معنى غيرٍ ها هنا بمعنى سوى، وإن لا صلة. قلت: وهذا قول أبي عبيدة"."
ولو رجعنا إلى كلام الفراء فلن نجده يختلف كثيرًا عما قاله الأخفش، وإن كان قد رَجَّحَ كون"غَيْرِ"نعتًا لـ"الذين"، على كونه بدلًا منه.
قال الفراء [4] : "وقوله-تعالى-: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ} بخفض"غير"لأنها نعت لـ"الذين"لا للهاء والميم من "عليهم"، وإنما جاز أن تكون"غيرِ"نعتا لمعرفة لأنها قد أضيفت إلى اسم فيه ألف ولام وليس بمصمود له، ولا الأول أيضا بمصمود له، وهي في الكلام بمنزلة قولك: لا أمر إلا بالصادق غير الكاذب، كأنك تريد: بمن يصدق ولا يكذب، ولا يجوز أن تقول: مررت بعبد الله غير الظريف إلا على التكرير؛ لأن"عبد الله" موقت، و"غير"في مذهب نكرة غير موقتة، ولا تكون نعتا إلا لمعرفة غير موقتة .... ، وقد يجوز أن تجعل"الذين"قبلها في موضع توقيت، وتخفض"غير"على التكرير [5] : صراط غير المغضوب عليهم".
ومما سبق يتضح لنا أنه لا يوجد خلاف كبير بين ما قاله الأخفش والفراء وثعلب، بل إن التعليل الذي ذكره الأخفش لوقوع"غير"نعتا لـ"الذين"هو نفسه التعليل الذي قاله الفراء، وحكاه عنه ثعلب، وهو أن"غير"وقعت نعتا لـ"الذين"لأن"الذين"قريب من النكرة لأنه لم يُقْصَدْ به قَصْدُ قَوْمٍ بأعيانِهِمْ، و"غَيْرِ المَغْضُوبِ"قريب من المعرفة لأنه تخصص بالإضافة.
(1) أي: لم بقصد بها قصدُ قوم بأعيانهم.
(2) هذا قول ابن كيسان، ذكره النحاس في إعراب القرآن 1/ 175، 176.
(3) هذا من قول ثعلب أيضا، حكاه عنه الأزهري في معاني القراءات 1/ 117.
(4) معاني القرآن 1/ 7.
(5) المراد بالتكرير عند الفراء وغيره من الكوفيين البدلُ، وهو من مصطلحاتهم، ينظر: مصطلحات النحو الكوفي ص 32، 33.