فهرس الكتاب

الصفحة 12 من 75

المسألة الثالثة

قوله - عز وجل: {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنَ اللَّهِ} [1]

ذهب الأخفش إلى أن الاستثناء في هذه الآية منقطع، وذهب ثعلب إلى أن الاستثناء متصل، ثم حكى قول الأخفش.

قال الأخفش [2] :"وقال: {لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى} استثناء يخرج من أول الكلام، وهو كما روى يونس عن بعض العرب أنه قال: ما أشتكي شيئا إلا خيرا، ومثل: {لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلاَ شَرَابًا. إِلاَّ حَمِيمًا وَغَسَّاقًا} ، {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنَ اللَّهِ} فهذا مثل {لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى} ، استثناء خارج من أول الكلام في معنى"لَكِنْ"، وليس بأشد من قوله: {لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلاَّ سَلاَمًا} ".

ذهب كثير من النحاة والمفسرين إلى أن الاستثناء منقطع، ومن هؤلاء العلماء: الزجاج والنحاس وابن عطية [3] .

وقد حكى الأزهري قول الأخفش وثعلب، فقال [4] :"وقال الله - عز وجل - في قصّة اليهود وذلهم إلا آخر الدنيا وانقضائها: {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ} تَكلم علماءُ اللغةِ في تفسير هذه الآية، واختلفَتْ مذاهِبُهم فيها لإشكالها، فقال الفراء [5] : معناهُ: ضُرِبَتْ عليهم الذِّلةُ إلا أن يَعْتَصِمُوا بحبلٍ من الله، فأضَمرَ ذلك. قال: ومثله قوله:"

رَأَتْنِي بِحَبْلَيْهَا، فَصَدَّتْ مَخَافَةً ... وَفِي الحَبْلِ رَوْعَاءُ الفُؤَادِ فَرُوقُ [6]

(1) سورة آل عمران الآية 112.

(2) معاني القرآن 1/ 213.

(3) معاني القرآن وإعرابه 1/ 457 - معاني القرآن للنحاس 1/ 461 - إعراب القرآن للنحاس 1/ 401 - المحرر الوجيز 1/ 491، وينظر: تفسير القرطبي 1/ 174.

(4) تهذيب اللغة 5/ 80 حبل, وعقب الأزهري على هذا الكلام بقوله:"قلت والقولُ ما قال أبو العباس"، وينظر هذا النص أيضا في لسان العرب 2/ 16، 17 حبل، وورد بلا نسبة في جامع البيان 7/ 115.

(5) معاني القرآن للفراء 1/ 230، والاستثناء على قول الفراء منقطع، ولكنْ أُخِذَ عليه حَذْفُ"أَنْ"وبقاءُ صلتها، وذلك لا يجوز، قال الطوسي:"قال الرماني عَلِيُّ بنُ عيسى: ما ذكره الفراء ضعيف من وجهين، أحدهما: حذف الموصول، وذلك لا يجوز عند البصريين في شيء من الكلام؛ لأنه إذا احتاج إلى صلة تبين عنه، فالحاجة إلى البيان عنه بذكره أشد، وإنما يجوز حذف الشيء للاستغناء بدلالة غيره عليه، فلو دل دليل عليه لحذف مع صلته؛ لأنه معها بمنزلة شيء واحد، والوجه الآخر: أن الكلام إذا صح معناه من غير حذف لم يجز تأويله على الحذف"-التبيان في تفسير القرآن لأبي جعفر الطوسي 2/ 561، وينظر: مجمع البيان 2/ 364.

(6) البيت لحميد بن ثور الهلالي يصف ناقته، وهو في ديوانه ص 35، وروايته فيه:

فَجِئتُ بِحَبلَيها فَرَدَّت مَخافةً ... إِلى النَّفسِ رَوعاءُ الجَنانِ فَروقُ

وله روايات أخرى تنظر في المصادر الآتية: جامع البيان 4/ 66، 67، 19/ 170 - الكشف والبيان للثعلبي 3/ 129، 7/ 192 - التبيان للطوسي 2/ 561 - مجمع البيان 7/ 367 - اللسان 2/ 17 حبل، 5/ 122 فرق، 6/ 178 نسع، 6/ 207 نطح-البحر المحيط 3/ 33 - تاج العروس 11/ 477 نسع، 13/ 393 فرق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت