الثاني: وأما قول ثعلب:"وأَما قوله:"مِنْ كتاب"فأَسْقطَ"مِنْ"، فهذا غَلَطٌ؛ لأنَّ"مِن"التي تدخل وتخرج لا تقع إِلاَّ مواقع الأَسماء، وهذا خبرٌ، ولا تقع في الخبر إِنما تقع في الجَحْد والاستفهام والجزاء".
أقول: هذا رَدٌّ على إجازة الأخفش أن يكون خبر"ما"الموصولة قوله-تعالى-:"من كتاب"على تقدير زيادة"مِنْ"، ومذهب الأخفش جواز زيادة"من"في الكلام مطلقا [1] .
الثالث: وأما قوله:"وهو جَعَلَ"لَمَا"بمنزلة: لَعَبْدُ اللّهِ-واللّهِ-لَقائمٌ، فلم يجعله جزاءً".
أقول: هذا رَدٌّ على جَعْلِ الأخفشِ الآيةَ من بابِ المبتدأ والخبر، إذ يرى ثعلب أن"ما"شرطية، وهي في موضع نصب بـ"آتيتكم"، و"آتيتكم"في موضع جزم بـ"ما"، وكذا"ثُمَّ جَاءَكُمْ"في موضع الجزم على موضع"آتَيْتُكُمْ"، وقوله:"لَتُؤْمِنُنَّ"جواب قسم مقدر ينوب عن جواب الشرط.
هذا تفصيلُ رَدِّ ثعلبٍ على ما قاله الأخفش، وثعلبٌ فيما ذهب إليه من جعله"ما"شرطية، متابع لمن قبله من الكوفيين كالكسائي والفراء [2] ، فهما يريان أن الآية من باب الشرط.
والذي أراه راجحا مما سبق بَعْضٌ من رأيِ الأخفش وبعضٌ من رأي ثعلب، فأرى أن اللام في"لَمَا"موطئة لقسم محذوف، وأن"ما"اسم موصول بمعنى الذي مبتدأ، والعائد على الموصول من الجملة المعطوفة على الصلة هو قوله:"لَمَا مَعَكُمْ"، وأنه في موضع الضمير، والتقدير: مصدق له؛ لأن الذي معهم هو الذي آتاهم، أو أن الظاهر قام مقام الضمير، وخبر المبتدأ جملة"لتؤمنن به".
(1) ينظر ذلك في معاني القرآن للأخفش 1/ 98، 99، 254، 2/ 274، 290، 464.
(2) ينظر: معاني القرآن للفراء 1/ 66، 225، وينظر قول الكسائي في: حجة القراءات لأبي زرعة ص 168، 169 - تفسير القرطبي 4/ 125.