المسألة الأولى
قوله - عز وجل: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ. غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ} [1]
ذهب الأخفش إلى أن"غَيْرِ"يجوز أن يكون نعتًا لـ"الذين"أو بدلًا منه، وأجاز ثعلب ما قاله الأخفش، ولم يرده.
قال الأخفش [2] : "وقوله: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ} هو صفة {الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} لأن الصراط مضاف إليهم، فهم جر للإضافة، وأجريت عليهم"غَيْرِ"صفة أو بدلا، و"غير"و"مثل"قد تكونان من صفة المعرفة التي بالألف واللام نحو قولك: إني لأمر بالرجل غيرك، وبالرجل مثلك فما يشتمني، و"غير"و"مثل"إنما تكونان صفة للنكرة، ولكنهما قد احتيج إليهما في هذا الموضع، فأجريتا صفة لما فيه الألف واللام، والبدل في"غير"أجود من الصفة؛ لأن"الذي" و"الذين"لا تفارقهما الألف واللام، وهما أشْبه بالاسم المخصوص من الرجل وما أشبهه، وقد قالت العرب: هم فيها الجَمَّاءَ الغَفِيرَ، فنصبوا، كأنهم لم يدخلوا الألف واللام، وإن كانوا قد أظهروهما، كما أجروا "مثلك"و"غيرك"كمُجْرَى ما فيه الألف واللام وإن لم يكونا في اللفظ، وإنما يكون هذا وصفا للمعرفة التي تجوز في معنى النكرة، ألا ترى أنك إذا قلت: إني لأمر بالرجلِ مِثْلِكَ، فإنما تريد: برجلٍ مِثْلِكَ؛ لأنك لا تَحُدُّ له رجلًا بعينه، ولا يجوز إذا حددت له ذلك إلا أن تجعله بَدَلًا، ولا يكون على الصفة، ألا ترى أنه لا يجوز: مررت بزيدٍ مِثْلِكَ إلا على البدل، ومثل ذلك: إني لأَمُرُّ بالرجلِ من أهل البصرة، أو قلتَ: إني لأَمُرُّ بزيدٍ من أهل البصرة، لم يَجُزْ إلا أن تجعله في موضع حالٍ، فكذلك: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ} ".
فالأخفش يجيز في"غير"وجهين: الصفة والبدل، ولكنه رجح كونه بدلا على كونه صفة، مع أن سيبويه وأكثر النحاة والمفسرين ذهبوا إلى أن"غَيْرِ"صفة لـ"الذين" [3] .
وقد حكى ثعلبٌ قول الأخفش وأجازه، كما حكى قول الفراء، ولكنه أجاز وجهًا ثالثًا، وهو أن يكون"غَيْرِ"بدلًا من الضمير في"عليهم".
قال الأزهري [4] :"وقال أبو العباس: جعل الفراء الألف واللام فيها [5] بمنزلة النكرة، ويجوز أن يكون غير نعتًا [6] للأسماء التي في قوله: {أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} ، وهي غير مصمودٍ صَمْدُهَا"
(1) سورة الفاتحة الآية 7.
(2) معاني القرآن 1/ 17.
(3) ينظر: الكتاب 2/ 333 - معاني القرآن للفراء 1/ 7 - المقتضب 4/ 423 - جامع البيان 1/ 115 - معاني القرآن وإعرابه 1/ 53 - إيضاح الوقف والابتداء 1/ 477 - إعراب القرآن للنحاس 1/ 175 - إعراب ثلاثين سورة ص 32 - الحجة للفارسي 1/ 42 - الإغفال 1/ 293: 296 - الكشف والبيان 1/ 123 - مشكل إعراب القرآن 1/ 13 - المحرر الوجيز 1/ 76 - شرح المفصل لابن يعيش 2/ 126 - البحر المحيط 1/ 148.
(4) تهذيب اللغة 8/ 189 غير، ومعاني القراءات له 1/ 116، 117 - اللسان 5/ 76 غير.
(5) يعني في"الذين".
(6) يعني بالنعت هنا البدل، ولا يعني به الصفة؛ لأن الضمائر لا تنعت.