المسألة الأولى
قوله - عز وجل: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ} [1]
في هذه الآية خلافٌ في المبتدأ الذي وقعت جملة"يتربصن"خبرا عنه، ومن هذه الآراء رَأْيُ الأخفش [2] ، فقد ذهب إلى أن"يتربصن"خبر"الذين"على تقدير حذف العائد من جملة الخبر على المبتدأ، وخَطَّأَهُ ثعلبٌ في ذلك.
قال الأخفش [3] :"فَخَبَرُ"وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ":"يَتَرَبَّصْنَ بَعْدَ مَوْتِهِمْ"، ولم يُذْكَرْ"بَعْدَ مَوْتِهِمْ"كما يُحْذَفُ بَعْضُ الكلامِ، تقول: ينبغي لهن أن يَتَرَبَّصْنَ، فلما حُذِفَ"يَنْبَغِي"وقع"يَتَرَبَّصْنَ"موقعها، قال الشاعر:"
عَلَى الحَكَمِ المَأْتِيِّ يَوْما إِذَا قَضَى ... قَضِيَّتَهُ أَنْ لاَ يَجُورَ، وَيَقْصِدُ [4]
فرفع"وَيَقْصِدُ"على قوله:"وينبغي".
وحكى قولَ الأخفش كثيرٌ من العلماء، كالزجاج، والنحاس، والفارسي، وأبي حيان، وابن هشام [5] .
(1) سورة البقرة من الآية 234.
(2) في الآية أقوال أخرى، منها قول الفراء وسيأتي، ومنها قول المبرد، وهو أن"يتربصن"خبر لمبتدأٍ محذوفٍ، والجملة خبر عن"الذين"والتقدير: والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجًا أَزْوَاجُهُمْ يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا، كما قال الشاعر:
وَمَا الدَّهْرُ إِلاَّ تَارَتَانِ، فَمِنْهُمَا ... أَمُوتُ، وَأُخْرَى أَبْتَغِي العَيْشَ أَكْدَحُ
واختار النحاسُ هذا القولَ، ومنها: قول الكسائى، وهو أن المعنى: يتربصن أزواجهم، ثم كَنَّى عن الأزواج بالنون، كما قال - عز وجل: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ المُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ. لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا} أي: لا تَقُمْ في مسجدهم، ينظر: ما اتفق لفظة واختلف معناه للمبرد ص 37 - معاني القرآن وإعرابه للزجاج 1/ 314: 316 - جامع البيان للطبري 2/ 692، 693 - إعراب القرآن للنحاس 1/ 317، 318 - الإغفال للفارسي 2/ 88: 97 - الكشف والبيان للثعلبي 2/ 184 - مشكل إعراب القرآن 1/ 99، 100 - المحرر الوجيز 1/ 313 - تفسير الرازي 6/ 134 - التبيان للعكبري 1/ 186، 187 - ارتشاف الضرب 3/ 1118 - البحر المحيط 2/ 232 - مغني اللبيب ص 652 - الدر المصون 2/ 476: 478.
(3) معاني القرآن 1/ 176، 177.
(4) البيت من الطويل لأبي اللحام التغلبي، ونسبه سيبويه لعبد الرحمن بن أُمِّ الحكم، ويروى:
* عَلَى الحَكَمِ المَأْتِيِّ حَقٌّ إِذَا قَضَى*
استشهد به سيبويه على أن القطع قد يجيء بعد الواو غير الجمعية، كأنه قال: عليه غيرُ الجور، ولكنه يقصدُ أو هو يقصدُ، أو هو قاصدٌ، فابتدأ ولم يحمل الكلام على"أَنْ"، كما تقول: عليه أنْ لا يجورَ، وينبغي له كذا وكذا.
ينظر: الكتاب 3/ 56 - المحتسب 1/ 149، 2/ 21 - شرح المفصل 7/ 38، 39 - شرح الكافية للرضي ق 2 ج 2 ص 886 - لسان العرب: قصد 5/ 264 - مغني اللبيب ص 470 - خزانة الأدب 8/ 555، 557، 558.
(5) ينظر: معاني القرآن وإعرابه 1/ 314 - إعراب القرآن 1/ 317 - الإغفال 2/ 89: 91 - ارتشاف الضرب 3/ 1118 - مغني اللبيب ص 652.