وقد استدل الفارسي على صحة قول الأخفش بالمعنى والصناعةِ والشاهِدِ، فقال [1] :"فالدليل على صحة قول أبي الحسن: أن المعنى عليه؛ لأن المراد أن أزواج المتوفَّيْنَ يتربصنَ عن التزويج بعدهم أربعة أشهر وعشرا، فإذا كان المعنى عليه، جاز حذف هذا الذي يتعلق به هذا الراجع إلى المبتدأ من جملة الخبر، إذِ الخبرُ إذَا عُرِفَ جاز حذفه بأسره، فإذا جاز حُذِفَ بعضه، ويدل على جواز ذلك وحسنه إجازة الناس: السمن مَنَوانِ بِدِرْهَمٍ، والمعنى على: مَنَوَانِ مِنْهُ، لا يستقيم الكلام إلا بتقديرِ ذلك؛ لأن المَنَوَيْنِ ليس بسمن، إنما هو عبارة عن المقدار .... ، فإذا كان كذلك، جاز تأويل أبي الحسن جواز هذه المسألة التي لا خلاف في جوازها، لا فَصْلَ في ذلك".
وقال الفارسي-أيضا- [2] :"ومما يقوي حذف الضمير المتعلِّق بالمحذوف من الخبر أن ذلك قد ساغ في بعض كلامهم من الصلة، مع أن الصلة موضع إيضاح وتخصيص، فلم يَلِقْ به الحذفُ لذلك، وذلك كقوله:"
*إِنْ لَمْ يَجِدْ يَوْمًا عَلَى مَنْ يَتَّكِلْ [3] *
والمعنى فيه عند عامة البصريين: إن لم يجد يوما على من يتكل عليه، وأُوصِلَ الفعلُ الواصل بغير الحرف بالحرف، وحُذِفَ ما اتصل بالجارِّ منها، فإذا جاز ذلك في الصلة، فهو في الخبر ينبغي أن يكون سائغا حسنا، ألا ترى أن من أخبار المبتدأ ما لا يظهر البتة، وما يطرد ذلك فيه، نحو خبر المبتدأ بعد"لولا"، فإذا قَوِيَ الحَذْفُ فيه هذه القُوَّةَ، وكَثُرَ هذه الكَثْرَةَ، جاز ما ذهب إليه أبو الحسن في الآية"."
وقد اعترض ثعلب على ما قاله الأخفش، واختار رأي الفراء، وقد حكى الفارسي هذا الاعتراضَ، فقال [4] :"قال [يعني ثعلبا] : وقال الأخفش: ينبغي لهن أن يتربصن. قال [5] : وهذا لا"
(1) الإغفال 2/ 90، 91.
(2) الإغفال 2/ 93، 94.
(3) هذا بيت من الرجز المشطور، لم أقف على قائله، وقبله:
* إِنَّ الكَرِيمَ-وَأَبِيكَ-يَعْتَمِلْ*
ينظر: الكتاب 3/ 81، 82 - الخصائص 2/ 305 - المحتسب 1/ 281 - شرح الكافية للرضي ق 2 ج 2 ص 1219 - الجنى الداني ص 478 - لسان العرب: عمل 4/ 430 - مغني اللبيب ص 192 - التصريح 2/ 15 - همع الهوامع 2/ 339 - خزانة الأدب 1/ 143.
(4) ينظر قوله في الإغفال للفارسي 2/ 90، 91.
(5) أي: أحمد بن يحيى.