فهرس الكتاب

الصفحة 8 من 75

يجوز أن يُحْذَفَ العائدُ، فيكونَ خَبَرًا للأول بلا عَائِدٍ، ولكنه على مذهب الفراء اعتمد على الثاني، ورفض الأول"."

يعني ثعلبٌ ما ذهب إليه الفراء من أن"يَتَرَبَّصْنَ"خبر عن لفظ الأزواج المحذوف المضاف إليه"الذين"، والمعني: من مات عنها زوجها تربصت، قال الفراء [1] : "يقال: كيف صار الخبر عن النساء ولا خَبَرَ للأزواج، وكان ينبغي أن يكون الخبر عن"الذين"؟!، فذلك جائز إذا ذُكِرَتْ أسماءٌ ثم ذُكِرَتْ أسماءٌ مضافةٌ إليها، فيها مَعْنَى الخَبَرِ، أن تترك الأَوَّلَ، ويكون الخَبَرُ عن المضاف إليه، فهذا من ذلك؛ لأن المعنى-والله أعلم-إنما أريد به: ومَنْ مات عنها زوجُهَا تَرَبَّصَتْ، فَتُرِكَ الأَوَّلُ بلا خَبَرٍ، وقُصِدَ الثاني؛ لأن فيه الخَبَرَ والمعنى".

وقد رَدَّ الزَّجَّاجُ قول الفراء، فقال [2] :"وهذا القول غير جائز، لا يجوز أن يَبْدَأَ اسْمٌ ولا يُحَدَّثَ عنه؛ لأن الكلام إنما وُضِعَ للفائدة، فما لا يفيد فليس بصحيح، وهو-أيضًا-من قولهم مُحَالٌ؛ لأن الاسم إنما يرفعه اسمٌ إذا ابْتُدِئَ مِثْلُهُ أو ذُكِرَ عائدٌ عليه، فهذا على قولهم باطل لأنه لم يَأْتِ اسمٌ يرفعه، ولا ذُكِرَ عائدٌ عليه".

ومن خلال ما سبق يظهر لنا قوة رأي الأخفش، في أن"يتربصن"خبر عن"الذين"، على تقدير: والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بعد موتهم، فحذف العائد من جملة الخبر على المبتدأ، كما يظهر-أيضا-ضَعْفُ اختيارِ ثعلبٍ لرأي الفَرَّاءِ، وعَدَمُ تَوْفِيقِهِ في تضعيفِ رَأْيِ الأخفشِ؛ لأنه خالف بذلك مشهور صناعة النحو، من جواز حذف بعض الخبر لدلالة اللفظ عليه.

وقد وصف الفارسي اعتراض ثعلب على قول الأخفش قائلًا [3] :"وليس ما ذَكَرَهُ أحمدُ بن يحيى من الاعتراض السَّاذَجِ على هذا القول بِشَيْءٍ؛ لما ذكرناه من الدلالة على جوازه، وما أَطْرَفَ إِنْكَارَ حَذْفِ بَعْضِ الخَبَرِ من اللفظ وَإِرَادَتِهِ في المعنى لدلالةِ اللفظِ عليه، واختيارَ أَلاَّ يكون له خَبَرٌ البَتَّةَ، ورَفْضَ المبتدأ، فقد ذُكِرَ الاعتمادُ عليه".

(1) معاني القرآن 1/ 150.

(2) معاني القرآن وإعرابه 1/ 315، كما رد عليه غير واحد من النحاة كالنحاس في إعراب القرآن 1/ 318، والفارسي في الإغفال 2/ 95: 97.

(3) الإغفال 2/ 91.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت