المسألة الثانية
قوله - عز وجل: {لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُون} [1]
ذكر الأخفش أن العَمْرَ بفتح العين معناه العُمْرُ بضمها، وأنهما لغتان، وحكى ثعلب قول الأخفش، ولم يعقب عليه.
قال الأخفش [2] :"وقال: {لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي ... } و"لعمرك"-والله أعلم-: وعيشك، إنما يريد به العُمْرَ، والعَمْرُ والعُمْرُ لغتانِ".
قال الأزهري [3] :"قال أبو العباس أحمد بن يحيى: قال الأخفش في قوله: {لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ} : وَعَيْشِكَ، وإنما يريد به العُمْرَ".
ولكن الأخفش لم يذكر أن العرب إذا استعملوا العَمْرَ في القسم فتحوا العين لا غَيْرُ، ولم يعقب عليه ثعلب بذلك، مع أن أكثر العلماء ذكروا ذلك، وسأذكر أمثلة من أقوال هؤلاء العلماء.
قال سيبويه [4] :"... فقد يشذُّ الشيءُ من كلامهم عن نظائرِه ويَسْتَخِفُّونَ الشيءَ في موضعٍ، ولا يَسْتَخِفُّونَهُ في غيره، وذلك قولُهم: ما شَعَرْتُ به شِعْرَةً، ولَيْتَ شِعْرِى، ويقولون: العَمْرُ والعُمْرُ، لا يقولون في اليمين إلاّ بالفتح، يقولون كُلُّهم: لَعَمْرُك".
وقال الزجاج [5] :"هذه الآية آية عظيمة في تفضيل النبي - عليه السلام -، أعني قوله-سبحانه-:"لَعَمْرُكَ"، جاء في التفسير أنه فسم بحياة محمد - صلى الله عليه وسلم -، كذلك أكثر التفسير [6] ".
ثم قال الزجاج [7] :"وقال سيبويه والخليل وجميع أهل اللغة: العَمْرُ والعُمْرُ بمعنى واحد، فإذا استعمل في القسم فتح أوله لا غير، لا تقول العرب إلا لَعَمْرُكَ، وإنما آثروا الفتح في القَسَمِ؛ لأنا الفتح أخف عليهم، وهم يكثرون القسم بـ"لعمري"و"لعمرك"، فلما كَثُرَ استعمالهم إياه لَزِمُوا الأَخَفَّ عليهم".
(1) سورة الحجر الآية 72.
(2) معاني القرآن 2/ 380.
(3) تهذيب اللغة 3/ 382 عمر.
(4) الكتاب 1/ 210.
(5) معاني القرآن وإعرابه 3/ 183.
(6) قال النحاس:"عن ابن عباس قال: {لَعَمْرُكَ} : لَعَيْشِكَ، وروى أبو الجوزاء عن ابن عباس قال: لَحَيَاتِكَ، ورُوِيَ أن إبراهيم النخعيَّ كره أن يقول الرجل: لعمري، قال: لأن معناه: وحياتي، وكذلك هو عند أهل اللغة"-معاني القرآن 4/ 33، 34.
(7) معاني القرآن وإعرابه 3/ 183.