المسألة الثانية عشرة
قوله - عز وجل: {كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا} [1]
ذهب الأخفش إلى أن الضِّدَّ في الآية اسمُ جَمْعٍ بمنزلة الرَّصَدِ، واعترض عليه ثعلب، ورأى أنه مصدر يقع على المفرد والجمع بلفظٍ واحدٍ.
قال الأخفش [2] :"قال: {وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا} لأن الضِّدَّ يكون واحدًا وجماعةً، مثل الرَّصَدِ والأرصاد، ويكون الرصد-أيضا-اسما للجماعة".
وقد حكى ثعلبٌ قولَ الأخفش، ثم أتبعه بقول الفراء كَالرَّادِّ عليه، قال الأزهري [3] :"وأخبرنِي المنذري عن ثعلب أنه قال: قال الأخفش في قوله: {وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا} : لأن الضِّدَّ يكون واحدًا وجماعةً، مثل الرَّصَدِ والأرصاد، قال: والرَّصَدُ يكون للجماعة. وقال أبو العباس: قال الفَرَّاءُ [4] : معناه في التفسير: ويكونون عليهم عونًا، فلذلك وُحِّد".
قال العكبري [5] :"و"ضِدًّا"واحدٌ في معنى الجمع، والمعنى: أن جميعهم في حكم واحد؛ لأنهم متفقون على الإضلال".
وقال الرضي [6] :"وقد يقع المفرد موقع الجمع كقوله-تعالى-: {وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا} ، وقوله-تعالى-: {وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ} [7] ، وذلك لِجَعْلِهِمْ كَذَاتٍ واحدةٍ في الاجتماع والترافد".
وقال الرضي-أيضًا- [8] :"وأما الوصف الذي كان في الأصل مصدرا نحو صَوْمٍ وغَوْرٍ، فيجوز أن يُعتبر الأصلُ، فلا يُثَنَّى ولا يُجمع ولا يُؤنث، قال الله-تعالى-: {حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ} ، وقال: {نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ} ، ويجوز اعتبارُ حاله المنتقل إليها، فيثنى ويجمع، فيقال: رَجُلاَنِ عَدْلاَنِ، ورجالٌ عُدُولٌ، وأما تاء التأنيث فلا تلحقه؛ لأنها لا تلحق من الصفات إلا ما وُضِعَ وصفًا، وأما قوله-تعالى-: {وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ} ، وقوله: {وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا} ، فليس باسمِ الجنسِ، إِذْ يقال: عَدُوَّانِ وضِدَّانِ".
(1) سورة مريم الآية 82.
(2) معاني القرآن 2/ 404.
(3) تهذيب اللغة 11/ 455 ضدد، وذكر ابن منظور-أيضا-هذه الحكاية في اللسان 4/ 113 ضدد، وذكرها الطبري في جامع البيان 16/ 156 ولكن بدون ذكر الأخفش وثعلب، بل قال:"بعض نحويي البصرة، وبعض نحويي الكوفة"-جامع البيان 16/ 156، وينظر-أيضا-:مجمع البيان 6/ 448 - التاج 5/ 73، 74 ضدد.
(4) معاني القرآن 2/ 172، والذي في النص المحقق:"يكونون عليهم أعوانا"، ثم ذكر المحقق في الحاشية أن في إحدى النسخ المخطوطة"عَوْنًا".
(5) التبيان 2/ 881.
(6) شرح كافية ابن الحاجب ق 2 ج 2 ص 654.
(7) سورة الكهف الآية 50.
(8) شرح كافية ابن الحاجب ق 2 ج 2 ص 662، 663.