المسألة التاسعة عشرة
قوله - عز وجل: {وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ} [1]
والكلام في هذه الآية شبيه بالكلام في قوله-تعالى-: {لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ} [2] ، فقد رأى الأخفش هنا أن اللام في"وَلَمَنْ"لام الابتداء، وأن"مَن"اسم موصول بمعنى"الذي"مبتدأ، وجملة"إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ"خبر"مَنْ"، والعائد محذوف أي: إِنَّ ذلك منه.
كما أن اعتراض ثعلبٍ على قول الأخفش هنا شبيه باعتراضه على قوله هناك، فقد رأى ثعلب أن اللام في"وَلَمَنْ"موطئة لقسم محذوف، وأن"مَنْ"شرطية.
قال الأخفش [3] :"وقال: {وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ} أما اللام التي في"وَلَمَنْ صَبَرَ"فلام الابتداء، وأما"ذلك"فمعناه-والله أعلم-: إن ذلك منه لَمِنْ عزم الأمور، وقد تقول: مررتُ بدارٍ الذراعُ بدرهمٍ، أي الذراع منها بدرهم، ومررتُ بِبُرٍّ قَفِيزٌ بدرهمٍ، أي قفيزٌ منه، وأما ابتداء"إِنَّ"في هذا الموضع فكمثل: {قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاَقِيكُمْ} [4] يجوز ابتداءُ مِثْلِ هذا إذا طال الكلام في مثل هذا الموضع".
والأخفش في هذا جارٍ على القاعدة النحوية المعروفة، وهي أنه لابد في الجملة الواقعة خبرا من رابط يربطها بالمبتدأ، ومن الروابط الضمير، وإذا كان الضمير معلومًا كما في هذه الآية، فإنه يُسْتَغْنَى عن ذكره، ومثل ذلك قولهم: البُرُّ الكُرُّ بِسِتِّينَ، والسمن مَنَوَانِ بدرهم.
أما ثعلب فقد خَطَّأَ الأخفشَ، ورأى أن اللام في"وَلَمَنْ"موطئة لقسم محذوف، وأن"مَنْ"شرطية، و"صبر"فعل الشرط، وجملة"إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ"جواب القسم المحذوف، وأما جواب الشرط فقد استغني عنه بجواب الاستفهام.
قال ثعلب [5] :"قال الأخفش: اللام هي لام الابتداء. وهذا خطأ؛ لأن العرب إذا أدخلت اللام فِي أول الجزاء جاءت بجواب الأيمان بـ"مَا"و"لاَ"و"إِنَّ"واللامِ، كما قال-تعالى-: لَئِنْ أُخْرِجُوا لاَ يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لاَ يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الأَدْبَارَ" [6] ، فجاء بـ"لاَ"جوابَ اللامِ الأولى"."
(1) سورة الشورى الآية 43.
(2) سورة آل عمران الآية 81.
(3) معاني القرآن 2/ 470.
(4) سورة الجمعة الآية 8.
(5) ينظر قوله فِي شفاء الصدور للنقاش ورقة 117/ب-تهذيب اللغة للأزهري 15/ 411 - البستان في إعراب مشكلات القرآن ص 579، 580.
(6) سورة الحشر من الآية 12.