وقد حكى الطبري قول ثعلب مع زيادة على ما سبق، فقال [1] :"قال [يعني ثعلبا] ولو قال: لَئِنْ قُمْتَ إِنِّي لَقَائِمٌ، لجاز ولا حاجة به إلى العائد؛ لأن الجواب في اليمين قد يكون فيه العائد، وقد لا يكون، ألا ترى أنك تقول: لَئِنْ قُمْتَ لأَقُومَنَّ، ولا أَقُومُ، وإني لَقَائِمٌ، فلا تأتي بعائدٍ. قال: وأما قولهم: مَرَرْتُ بِدَارٍ الذِّرَاعُ بِدِرْهَمٍ، وَبِبُرٍّ قَفِيزٌ بِدِرْهَمٍ، فلابُدَّ من أن يتصل بالأول العائدُ، وإنما يُحْذَفُ العائدُ فيه؛ لأن الثانِيَ تبعيضٌ للأول: مررت بِبُرٍّ بَعْضُهُ بدرهمٍ، وبَعْضُهُ بدرهم، فلما كان المعنى التبعيضَ حُذِفَ العائدُ، قال: وأما ابتداء"إِنَّ"في كل موضع إذا طال الكلامُ، فلا يجوز أن تبتدئ إلا بمعنى: {قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ} ، فإنه جوابٌ للجزاء، كأنه قال: ما فررتم منه من الموت فهو ملاقيكم".
وبناءً على قول ثعلب فجملة {إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ} جواب القسم المقدر، وجواب"مَن"الشرطية محذوف لدلالة جواب القسم عليه.
والذي أراه راجحا مما سبق هو قول الأخفش؛ لأنه لا يحتاج إلى كَثِيرِ تَقْدِيرٍ، فالمعنى عليه: إن ذلك منه لَمِنْ عَزْمِ الأمور، وأما قول ثعلب فيلزم عليه حَذْفُ القَسَمِ، وحَذْفُ جَوَابِ الشرط لدلالة جواب القسم عليه.
قال النحاس مؤيدًا قول الأخفش [2] :"فالقول فيه أن فيه حَذْفًا، والتقدير: وَلَمَنْ صَبَرَ وعفا إن ذلك منه لَمِنْ عَزْمِ الأمور، ومثل هذا في كلام العرب كثير موجود، حكاه سيبويه وغيره: مررتُ بِبُرٍّ قَفِيزٌ بِدِرْهَمٍ، أي قَفِيزٌ منه، ويقال: السَّمْنُ مَنَوَانِ بِدِرْهَمٍ، بمعنى منه".
ومما يؤيد قول الأخفش هنا قولُ ابن هشام [3] :"وقوله-تعالى-: {وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ} أي: إن ذلك منه، ولا بد من هذا التقدير، سواء أَقَدَّرْنَا اللام للابتداء و"مَنْ"موصولةً أو شرطيةً، أم قَدَّرْنَا اللام موطئةً و"مَنْ"شرطية، أَمَّا على الأول فلأَنَّ الجملة خَبَرٌ، وأما على الثاني فلأنه لا بدَّ في جوابِ اسمِ الشرط المرتفعِ بالابتداء مِنْ أَنْ يشتمل على ضميره، سواء قلنا: إنه الخبر، أو إن الخبر فعلُ الشرط، وهو الصحيح، وأما على الثالث فلأنها جواب القسم في اللفظ، وجواب الشرط في المعنى".
وإضافة إلى كلام ابن هشام أقول: إذا كان الضمير مطلوبا على كل الوجوه الجائزة في اللام و"مَنْ"، فهذا يؤيد قول الأخفش.
(1) جامع البيان 25/ 53، 54.
(2) إعراب القرآن 4/ 90.
(3) مغني اللبيب ص 648، وينظر في هذه المسألة أيضا: البستان في إعراب مشكلات القرآن ص 579، 580 - البحر المحيط 7/ 500، 501 - الدر المصون 9/ 563.