فهرس الكتاب

الصفحة 13 من 75

قال: أراد: رأتني أقبَلْتُ بحَبْليهْاَ، فاضْمَرَ"أقبَلْتُ"، كما أضْمَرَ الاعتِصَامَ في الآية. وأخبرني المنذريُّ عن أبي العباس أحمدَ بن يحيى أنه قال: هذا الذي قَاَلَهُ الفراءُ بعيدُ أن تَحْذِفَ"أنْ"وَتُبْقِىَ صلتها، ولكن المعنى-إن شاء الله-: ضُرِبَتْ عليهم الذلة أينما ثُقُفوا بِكُلِّ مَكانٍ إلا بموضِعِ حَبْلٍ من الله، وهو استثناءٌ متصلٌ، كما تقول: ضُربت عليهم الذلة في الأمكنة إلا في هذا المكانِ. قال: وقولُ الشاعر: (رأتني بحبليها) هو كما تقول: أنا بالله، أي مُتَمَسِّك، فتكون الباءُ من صلةِ رأتنى مُتمَسكًا بحَبْليَهْاَ، فاكْتَفى بالرُّؤيةِ من التَمَسُّك. قال: وقال الأخفش في قوله: {إِلاَّ بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ} : إنَّه استثناء خارِجٌ من أول الكلام في معنى (لَكِنْ) "."

وذهب الزمخشري وأبو حيان والسمين إلى أن الاستثناء متصل كما قال ثعلب [1] .

فقد حكى ثعلب قول الفراء، ورده واستبعده قائلا: "هذا الذي قَاَلَهُ الفراءُ بعيدُ أن تَحْذِفَ"أنْ"وَتُبْقِىَ صلتها"، وقول ثعلب في هذا موافق لمذهب البصريين في أنه لا يجوز حذف الموصول وبقاء صلته؛ لأن الموصول هو الأصل والصلة فرع، فيجوز حذف الفرع لدلالة الأصل عليه، أما حذف الأصل وإبقاء الفرع فهو غير جائز.

ثم ذكر ثعلب رأيه وهو أن الاستثناء متصلٌ، ثم حكى قول الأخفش ولم يعقب عليه بقبول أو رد، وظاهر كلام ثعلب أنه يجيز هذا الوجه أيضا.

ولكنني أرجح قول الأخفش في هذه الآية، وهو أن الاستثناء منقطع، لأن المعنى يؤيده، قال الطبري معقبا على قول ثعلب [2] :"وقال آخرون من نحويي الكوفة: هو استثناء متصل، والمعنى: ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا، أي بكل مكان إلا بموضعِ حبلٍ من الله، كما تقول: ضربت عليهم الذلة في الأمكنة إلا في هذا المكان. وهذا أيضا طلب الحق، فأخطأ المفصل [3] ، وذلك أنه زعم أنه استثناء متصل، ولو كان متصلا كما زعم لوجب أن يكون القوم إذا ثقفوا بحبل من الله وحبل من الناس غَيْرَ مضروبة عليهم المسكنةُ، وليس ذلك صفة اليهود؛ لأنهم أينما ثقفوا بحبل من الله وحبل من الناس، أو بغير حبل من الله - عز وجل -، وغير حبل من الناس، فالذلة مضروبة عليهم ... ، فلو كان قوله: {إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ} استثناءً متصلًا لوجب أن يكون القوم إذا ثقفوا بعهد وذمة، ألاَّ تكون الذلة مضروبة عليهم، وذلك خلاف ما وصفهم الله"

(1) ينظر: الكشاف 1/ 455 - البحر المحيط 3/ 33، 34 - الدر المصون 3/ 352: 354.

(2) جامع البيان 4/ 67، 68.

(3) هذا الكلام إشارة إلى قول الفراء الذي ذكره الطبري من قبل، ينظر: جامع البيان 4/ 67.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت