فهرس الكتاب

الصفحة 46 من 75

{أَلاَ يَسْجُدُوا} فجعله أمرًا، كأنه قال: أَلاَ اسْجُدُوا، وزاد بينهما"يا"التي تكون للتنبيه، ثم أذهب ألف الوصل التي في"اسجدوا"، وأذهبت الألف التي في"يا"؛ لأنها ساكنة لقيت السين، فصارت: {أَلاَ يَسْجُدُوا} ؛ وأنشد:

أَلاَ يَا اسْلَمِي يَا دَارَ مَيَّ عَلَى البِلَى ... وَلاَ زَالَ مُنْهَلاًّ بِجَرْعَائِكِ القَطْرُ

قال أبو العباس:"يا"التي تدخل للنداء يُكْتَفَى بها من الاسم، ويُكْتَفَى بالاسم منها، لا يُنَادَى بها، أراد: ألا يا هؤلاء اسجدوا، وفي البيت: ألا يا هذه اسلمي، وكذلك قول الشاعر:

*يَا دَارَ هِنْدٍ يَا اسْلَمِي ثُمَّ اسْلَمِي*

*بِسَمْسَمٍ أَوْ عَنْ يَمِينِ سَمْسَمِ [1] *

أراد: يا هذه اسْلَمِي، وكذلك قال الفراءُ [2] ، قال: وسُمِعَ بعضُ العرب يقول: ألا يا تَصَدَّقْ علينا، معناه: ألا يا هذا تَصَدَّقْ علينا، ورُوِيَ عن عيسى الهَمْدَانِيِّ أنه قال: ما كنت أسمع المشيخة يقرءونها إلا بالتخفيف على نية الأمر"."

وممن اختار قول ثعلب: النحاسُ ومَكِّيُّ بن أبي طالب والزمخشري وابن يعيش [3] .

ومن خلال ما سبق أرى أن كلا الرأيين صحيح، وأن حجة كل منهما قوية؛ فحجة الأخفش أن"يا"حرفُ تنبيه، وليست للنداء، وليس هناك منادى محذوف؛ لأنه لو جاز حذف المنادى لكان في هذا إجحاف بجملة النداء؛ لأنه قد حُذِفَ الفعل العامل في المنادى، ونابت"يا"منابه، وحُذِفَ فاعل هذا الفعل بحذفه، فلو جاز حذف المنادى أيضًا لكنا قد حذفنا جملة النداء والمنادى.

وحجة ثعلب أن"يا"هذه تدل على المنادى المحذوف، فهي عوض عنه، وإن كنت أرى أن قول ثعلب أرجح؛ لأن المعنى يؤيده ويدل عليه؛ لأن المقصود في الآية: ألا يا هؤلاء اسجدوا.

قال ابن مالك [4] :"وكان حق المنادى أن يُمْنَعَ حَذْفُهُ؛ لأن عامله قد حُذِفَ لُزُومًا .... ، إلا أن العرب أجازت حذف المنادى، والتزمت في حذفه بقاء"يَا"دليلًا عليه، وكونَ ما بعده أمرًا أو"

(1) البيتان من الرجز المشطور للعجاج في ديوانه ص 234، ونُسِبَا لرُؤْبَةَ، وهما في ملحقات ديوانه ص 183، ويروى الأول:"يا دار سلمى"، وينظر: كتاب الشعر ص 67 - الخصائص 2/ 196، 2/ 279 - الإنصاف ص 102 - شرح المفصل 10/ 13 - شرح الشافية للرضي 3/ 205 - شرح شواهد شرح الشافية ص 428.

(2) معاني القرآن 2/ 290.

(3) ينظر: إعراب القرآن للنحاس 3/ 206، 207 - مشكل إعراب القرآن 2/ 147 - المفصل ص 48 - الكشاف 3/ 145 - اللباب في علل البناء والإعراب 1/ 182 - شرح المفصل 2/ 24، 40.

(4) شرح التسهيل 3/ 388: 390، وينظر-أيضا-: شرح الكافية الشافية ص 1336، 1337 - شواهد التوضيح والتصحيح ص 3: 9.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت