يعني ثعلبٌ قولَ الفراء [1] :"وقوله: {وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ} "
يقول القائل: وكيف وصفهم أَنهم لا يُعْجِزُونَ في الأرض ولا في السماء، وليسُوا من أهْل السَّماء؟ فالمعنى-والله أعلم-: ما أنتم بمعجزينَ في الأرض، ولا مَن في السَّمَاء بمعجزٍ، وهو من غامِضِ العربيّة للضمير الذي لم يظهر في الثاني، ومثله قول حَسَّان:
أَمَنْ يَهْجُو رَسُولَ اللَّهِ مِنْكُمْ ... وَيَمْدَحُهُ وَيَنْصُرُهُ سَوَاءُ
أراد: وَمَنْ يَنْصُرُهُ وَيَمْدَحُهُ، فأضمر"مَنْ"، وقد يقع في وَهْم السَّامِع أن المدح والنصر لـ"مَن"هذه الظاهرةِ، ومثله في الكلام: أَكْرِمْ مَنْ أتاكَ وأتى أباكَ، وأَكْرِمْ مَنْ أتاك ولم يأت زيدًا، تريد: ومَنْ لم يأتِ زيدا"."
وقول الفراء مبني على مذهبه هو وغيرِهِ من الكوفيين في جواز حذف الموصول الاسميِّ وبقاءِ صِلَتِهِ إذا عُلِمَ هذا الموصولُ، وقد وافقهم الأخفش في ذلك [2] ، واحتجوا بالسماع، وبالقياس على حذف المضاف إذا عُلِمَ؛ قالوا: لأن الموصولَ الاسميَّ كالمضاف، وصلته كالمضاف إليه، وحذف المضاف-إذا علم-جائز، فكذلك ما أشبهه.
والذي أراه راجحا مما سبق هو قول ثعلب؛ لأن المعنى يؤيده؛ لأن المراد إثبات عجزهم عن بلوغ ذلك، والله أعلم.
(1) معاني القرآن 2/ 315.
(2) ومما احتج به الكوفيون والأخفش قوله-تعالى-: {آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ} ، وقول حسان:
أمَنْ يَهْجُو رَسُولَ اللَّهِ مِنْكُمْ ... وَيَمْدَحُهُ وَيَنْصُرُهُ سَوَاءٌ
والبصريون كما سبق يخرجون الآية وبيت حسان على أن"مَنْ"نكرة موصوفة، ينظر في هذه المسألة: معاني القرآن للفراء 2/ 315 - مجالس ثعلب 2/ 397 - الأصول لابن السراج 2/ 177، 178 - إعراب القرآن 3/ 253 - مشكل إعراب القرآن 2/ 168 - شرح التسهيل لابن مالك 1/ 235، 236 - شواهد التوضيح والتصحيح ص 76، 77 - شرح الكافية للرضي ق 2 ج 1 ص 206، 207 - ارتشاف الضرب ص 1045 وما بعدها-البحر المحيط 7/ 142 - مغني اللبيب ص 815، 816 - الدر المصون 5/ 362.