الصفحة 1 من 83

الحمد لله رب العالمين، الذي لا يبلغ وصفَ صفاته الواصفون، ولا يدرك كُنْهَ عظمته المتفكرون، ويقرُّ بالعجز عن مبلغ قدرته المعتبرون، الذي أحصى كلَّ شيء عددًا وعلمًا، ولا يحيط خلقُه بشيءٍ من علمه إلا بما شاء، خضعت له الرقاب، وتضعضعت له الشدائد الصلاب، أمْرُه في كل ما أراد ماضٍ، وهو بكل ما شاء حاكم قاضٍ، إذا قضى أمرًا فإنما يقول له: كن فيكون، يقضي بالحق وهو خير الفاصلين، ذو الرحمة والطَّول، وذو القوة والحَوْل، الواحدُ الفرد، له الملك وله الحمد، ليس له ندٌّ ولا ضد، ولا له شريك ولا شبيه، جَلَّ عن التمثيل والتشبيه، لا إله إلا هو إليه المصير.

أحمده كثيرًا، عدد خلقه وكلماته، وملء أرضه وسمواته، وأسأله الصلاةَ على نبيه ورسوله محمد، النبي الأغر، ذي الجبين الأزهر، والذكر الفواح المعطَّر، وعلى آله وصحبه أجمعين، وسلم تسليما.

وبعد:

فإن أشرف العلوم وأجلها: كتاب الله عز وجل، فيه نبأ ما قبلنا، وخبر ما بعدنا، وحكم ما بيننا، هو الفصل، ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى العلم بغيره أذله الله، فهو دستور الأمة، وسراجها المنير، به شرفها الله على غيرها من سائر الأمم، وجعله لها في دجى الظُّلَم نورًا ساطعًا، وفي غسق الشُّبَه شهابًا لامعًا، وفي مضَلّة المسالك دليلًا لامعًا، وإلى سبيل النجاة والحق حاديًا، حرسه بعينٍ منه لا تنام، وحاطه بركن منه لا يُضام، لا تهي على الأيام دعائمه، ولا تبيد على طول الأزمان معالمُه.

ومن ثم صار الاشتغال به، وتدبره، وفهم معانيه، وتفسيره أشرف العلوم؛ إذ أن شرف العلم من شرف المعلوم، ولذا انبرى السلف الصالح له، وبينوا أسراره وأغواره، بما فتح الله عليهم فيه، وسار على نهجم علماء الأمة، جيلا بعد جيل، إلى وقتنا الراهن، ولكن، بما أن الصراع بين الحق والباطل قد كتيه الله على خلقه إلى يوم القيامة، فقد يظهر بين الفينة والأخرى من يستخدم القرآن الكريم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت