23 -قول الصوفية الإشارية: الألف: إشارة إلى ما لابد منه من الاستقامة في أول الأمر، وهو رعاية الشريعة «إن الذين قالوا ربتا الله ثم استقاموا» ، واللام: إشارة للانحناء الحاصل عند المجاهدات، وهو رعاية الطريقة «والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سُبُلَنا» ، والميم: إشارة إلى مقام المحبة، وذلك بالفناء في الله بالكلية، وهو مقام الحقيقة «قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون» !! [1] .
24 -أن الله أودع جميع ما في تلك السورة من أحكام، وقصص في الحروف التي ذكرها في أول السورة، ولا يعرف ذلم إلا نبي، أو ولي، ثم بين ذلك في جميع السورة، ليفقِّه الناسَ، قاله محمد بن علي الترمذي [2] .
وقيل غير ذلك كثير.
ولست هنا بصدد مناقشة تلك الأقوال، وتمحيص أدلتها، ودراسة حجج أهلها، والرد عليها، فهذا له مكان آخر، خارج هذا البحث، لكن ما أود ذكره هنا: هو أن القول الراجح من هذه الأقوال: هو قول من قال: إن الحكمة من إيراد هذه الحروف المقطعة هو: تحدي الله للمشركين أن يأتوا بمثل هذا القرآن، المكون من مثل هذه الحروف المعهودة لديهم، والمستعملة في قيلهم وحديثهم، ما داموا يزعمون أن محمدًا - صلى الله عليه وسلم - جاء به من تلقاء نفسه، فليأتوا بمثله إذن، فهم أمراء اللام، وزعماء الحوار، والحُرَّاص على التساجل في اقتضاب الخطب، وهم أهل الافتنان في القصيد والرجز [3] ، ولهذا فكل سورة افتتحت بهذه الحروف، فلابد أن يذكر فيها الانتصار للقرآن، وبيان إعجازه، وعظمته، وهذا معلوم بالاستقراء، وهو الواقع في تسعٍ وعشرين سورةً بدأن بهذا الحروف المقطعة، ولهذا يقول تعالى في البقرة: «الم. ذلك الكتاب لا ريب فيه» ، وفي آل عمران: «الم. الله لا إله إلا هو الحي القيوم. نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه» ، وفي الأعراف: «المص. كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه» ، وفي إبراهيم: «الر. كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور
(1) التفسير الكبير 2/ 8 - 10.
(2) الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي 1/ 156.
(3) الكشاف 1/ 27.