الثاني: الانتقال من معنى إلى معنى آخر، فهي تثبت ما قبلها، وما بعدها، وهذا يسمى إضرابًا انتقاليًا، أو الاستدراك، مثل: «قد أفلح من تزكى. وذكر اسم ربه فصلى. بل تؤثرون الحياة الدنيا» .
وعلى هذا الأخير حمل (بل) في أول سورة ق: «بل عجبوا أن جآءهم منذر منهم» «بل كذبوا بالحق لما جآءهم» ؛ لأن (بل) هنا للعطف، والمعطوف عليه هو قوله «ق. والقرآن المجيد» ، والمعطوف «بل عجبوا ... » لذا، لابد أن يكون للمعطوف عليه معنى من المعاني، التي هي درجة أولية، وتمهيد للمعنى الذي يلي (بل) من الدهشة والاستغراب. هذا ملخص ما ذهب إليه.
الرد:
-أما في (بل) الثانية في السورة: «بل كذبوا بالحق لما جآءهم» ، فهي كما رأى (إضراب انتقالي - استدراك) ، فالآية مرتبطة بما قبلها من دهشة واستغراب وتعجب كفار قريش من رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - وما جاء به، ومن ثم دفعهم هذا لتكذيبه.
-أما (بل) الأولى، وهي بيت القصيد، في قوله تعالى: «بل عجبوا أن جآءهم منذر منهم» ، فليست كما زعم، بأنها مثل الثانية (إضراب انتقالي - استدراك) ، بل لها معنى آخر لم يذكره، إما عمدًا؛ لتقرير مذهبه الفاسد، أو جهلا، وما أحراه بالجهل.
فمعناها: أنها تستعمل لقطع كلام وتركه، والأخذ والاستئناف في غيره، وهي بهذا المعنى في القرآن كثير، كقوله تعالى: «ص. والقرآن ذي الذكر» ثم قال: «بل الذين كفروا في عزة وشقاق» فترك الكلام الأول، وأخذ ببَلْ في كلام آخر، ثم قال في (ص) أيضا حكاية عن المشركين: «أأنزل عليه الذكر من بيننا» ثم قال: «بل هم في شك من ذكري» فترك الكلام، وأخذ ببل في كلام آخر، فقال: «بل لما يذوقوا عذاب» . في أشباه لهذا كثيرة في القرآن [1] ، ومن هذا الضرب أيضا هذا الموضع من ق، فقال: «ق. والقرآن المجيد» ثم تركه وأخذ ببل في غيره: «بل عجبوا أن جآءهم منذر منهم» .
(1) تأويل مشكل القرآن، لابن قتيبة، ص 286.