الصفحة 39 من 83

وهذا مشهور من كلام العرب، واستعمالهم له في الشعر كثير، يجعلون (بل) في ابتداء قصيدة؛ للدلالة على ابتداءٍ فيها، وانقضاء أخرى قبلها، فيقول أحدهم: بل

وبلدةٍ ما الأُنسُ من آهَالها

ويقول: لا، بل

ما هاجَ أحزانًا وشَجْوًا قد شجى

فـ (بل) ليست من البيت، ولا تعد في أوزانه، ولكن يقطع بها الكلام، ويستأنف الآخر [1] .

وقد نحملها على معنىً آخر، وهو: أنها للإضراب عما قبلها إلى ما بعدها، لكن بقصد تصحيح الحكم الذي قبلها، وإبطال الحكم الذي بعدها، كما في «ص. والقرآن ذي الذكر. بل الذين كفروا في عزة وشقاق» فإنه دل بقوله: «والقرآن ذي الذكر» أنه مقرّ للتذكر، وليس امتناع الكفار من الإصغاء إليه دالا على أنه ليس موضعا للذكر، بل لتعزُّزِهم ومشاقتهم.

وعلى هذا أيضا: «ق. والقرآن المجيد. بل عجبوا .. » أي: ليس امتناعهم عن الإيمان بالقرآن، ألا مجد للقرآن، ولكن لجهلهم، ونبه بقوله: «بل عجبوا» على جهلهم؛ لأن التعجب بالشيء يقتضي الجهل بسببه [2] .

فعلى هذا، يكون العطف إنما هو بين «والقرآن المجيد. بل عجبوا» ولا تدخل «ق» في بيان هذا العطف - كما زعم - بل ودفعه هذا لتحريف معناها.

** قوله (ص 57) : إنه لا لايجوز حذف جواب القسم في اللغة الأدبية، إلا في لغة الحوار، أو اللغة المسرحية، مع ضرورة أن يكون سبق ذكر جواب القسم في الحوار قَبْلا، ومن ثم لا يمكن أن تكون السورة هنا بدأت بقسم؛ لحذف جوابه، وإن سلمنا بأنه أسلوب قسم جوابه محذوف، فلا يمكن عطف (بل) على جواب القسم المحذوف، فهو خطأ في العربية، ولذا نجده يرفض (بكل ثقة) أن تكون السورة افتتحت بقسم!!

(1) جامع البيان 1/ 171.

(2) المفردات، للراغب الأصفهاني، ص 64.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت