الصفحة 12 من 87

وعليه، فحسب ما ذهب إليه ابن كثير، وحسب القول الذي رجحه الطبري، تكون (الأمة) هاهنا، ذات مدلول ديني -وهذا خلاف ما عهدناه فيما مضى عند الطبري إذ يعتبر اللفظ مجرد جماعة من الناس- فهي تضم كل أتباع النبي صلى الله عليه وسلم، سواء من أمة الدعوة أو أمة الإجابة (1) أما معظم الآيات الأخرى (2) التي تحوي لفظ الأمة، فإن الطبري وابن كثير يؤولانها بالجماعة من الناس مطلقا من جهة، ومن جهة أخرى نلفيهما يجعلانها مرادفة للفظ (الملة) ، وهنا تكون عندهما ذات مدلول ديني.

ومما سبق ذكره، وبعد تتبع نماذج من تأويلات هذين المفسرين للفظ، وخصوصا ما ذهب إليه الطبري، فإننا نجد أنه قد تم التركيز على اعتبار لفظ (الأمة) الوارد في معظم تلك الآيات التي قدمناها سابقا بأنها الجماعة المتفقة على دين واحد، وملة واحدة، وبعبارة أخرى، وحسب هذين المفسرين، فإن تصور (الأمة) عندهما، إنما هو قائم عن علاقة بين الملة والدين من جهة، وبين الجماعة المطلقة من جهة أخرى. ومن هذه العلاقة نشأ لديهما تصور وسط، هو أن الأمة معناها: الجماعة المجتمعة على دين وملة واحدة.

قبل أن نعرج إلى تصفح بعض تفاسير أهل الرأي والاجتهاد لمعرفة مفهوم لفظ الأمة وتصوره عندهم، لا بأس أن نشير إلى أننا سنتخذ من التفسير الكبير للفخر الرازي نموذجا لذلك، باعتباره يحوي خصائص هذا النوع من التفسير، بالإضافة إلى بعض الوقفات عند تفسير القرطبي، غير أنه لا يفهم من عملي هذا بشأن تقسيم أهل التفسير إلى فريقين، أني أضع حدودا بين التفسيرين، ذلك أنه من المعروف أن كل المفسرين لكتاب الله تعالى كانوا ينوون من وراء أعمالهم الجليلة، خدمة كتابه العظيم محاولين بذلك إفهامه وتقريبه لجمهور المسلمين، وعامة الناس. وعليه كان اختيارنا للتفسير بالرأي القائم على أركان المعرفة الكافية بشتى العلوم، والذي"لا يعارض نقلا صحيحا، ولا عقلا سليما، ولا علما يقينيا ثابتا مستقرا، مع بذل غاية التوسع في البحث والاجتهاد والمبالغة في تحري الحق والصواب، وتجريد النفس من الهوى والاستحسان بغير دليل، ومع"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت