لأصبحت الدولة كيانًا خطيرًا يلتهم الجميع، ويقضي على كل فرص النمو والبناء خارج نطاق الدولة ومشروعاتها ذات الطابع المطلق والكُلاَّني.
إن الأمة في النص والتجربة التاريخية الإسلامية لها دور مركزي في الحياة الدينية والاقتصادية والعلمية والسياسية والحضارية والخيرية للمسلمين؛ إذ إن أكثر المؤسسات والأطر في تاريخ التجربة الإسلامية تنتمي إلى الأمة وتستند إليها في أنشطتها وأعمالها. لذلك فتغييب الأمة من الفعل الحضاري حرم المجتمع الإسلامي من مصادر قوته وعزته وتطوره، وأتاح المجال لعوامل خارجية من اختراق الجسم الإسلامي، والتحكم في مستقبله ومصائره."إن ما يحرك العرب ويعبر عن مزاجهم التاريخي هو مفهوم الأمة، والأمة موجودة في وعيهم، سواء توحدوا أم لم يتوحدوا، وسواء وجدت الدولة الواحدة أم لم توجد."
إن الوحدة ضرورية، وبدونها يبقى مفهوم الأمة متحققًا على الصعيد الثقافي وحسب. كما أن الدولة ضرورية أيضًا لأنها تنقل وجود الأمة من الصعيد الثقافي إلى الصعيد السياسي، فهي الأداة التي تحقق الأمة بها وجودًا فعليا يساعدها على ممارسة دعوتها التي تخرجها من الحيز القومي الضيق إلى مجال أرحب وأوسع هو العالم والكون بأسره. الأمة تقود إلى الوحدة، والوحدة تقود إلى الدولة، لكن وجود الأمة لا يتوقف على تحقيق الوحدة أو الدولة، بل إن وجود الأمة هو الشرط الضروري لكل ما عداه" (10) . فالأمة في المجال الحضاري الإسلامي هو المجال الحيوي الذي يتحرك فيه المسلمون لتنمية قدراتهم وتطوير أوضاعهم والتواصل مع العالم والقوى الدولية، والدولة هنا وفق هذا المنظور ليست منفصلة عن الأمة وإرادتها وخياراتها، وإنما هي جزء من إرادة الأمة وجسرها لإنجاز مفاهيم السيادة والعزة والاستقلال والتنمية. فالأمة هي التي تصنع الدولة، لذلك نجد أن التوجيهات الإسلامية الكبرى التي تؤكد على قيم مفصلية في التجربة التاريخية الإسلامية تتوجه إلى الأمة بأسرها .. قال تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ} (11) ."
كما أن الدولة ضرورة من ضرورات الأمة والوجود الإنساني؛ فبها تستطيع الأمم خلق الوقائع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية،"فالسلطة ضرورية"