الوحيد لتحقيق الدين. وإن كانت مفارقة سخيفة أن نقول إن الدين لا يمكن تحقيقه خارج الجماعة لكنها حقيقة بديهية ربما يتناساها الكثيرون من الذين يعتبرون أن الدين، خاصة الإسلام، يمكن تحقيقه على الصعيد الفردي المحض. هذه التجربة حاولتها الصوفية لكنها تحولت عنها بعد فترة من الزمن؛ فقد بدأت الصوفية كأسلوب فردي في التعبير والاتصال بالله لكنها تحولت مع مرور الزمن إلى ممارسات جماعية وصارت طرقًا جماعية" (15) ."
واختلاف المسلمين التاريخي لم يكن حول الأمة ودورها التاريخي والحضاري، ولا حول ضرورة الدولة وأهميتها للتجربة الجديدة، وإنما حول عملية إنشائها، وطريقة ممارستها لأدوارها في الأمة على الصعيد الداخلي والخارجي، ومن أين تستمد شرعيتها وسلطتها. فالإطار المرجعي لكل المسلمين مع اختلافاتهم وتباين وجهات نظرهم بعد انتقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى لم يكن الدولة وإنما الأمة.
ولقد كان لقيم الإخوة والمساواة والتعاون والتكافل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومؤسسات العلم والمعرفة والخير، وجهاد وجهود الفقهاء والعلماء والمصلحين دور مركزي في تثبيت مرجعية الأمة، وأنها صاحبة الصوت الأعلى في التجربة التاريخية الإسلامية. ومن خلال هذه القيم والمؤسسات كانت الأمة تؤكد ذاتها، وتعمل على تنفيذ مشروعها الحضاري، وتحصين كيانها في مواجهة أخطار الدولة المنحرفة المستبدة، والأخطار القادمة إلى الأمة من الخارج.
إن الأمة في التجربة الإسلامية التاريخية كانت تحتضن العديد من القوى الاجتماعية والسياسية، وقد أعلنت هذه القوى عن نفسها في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم بصورة سلمية تحافظ على وحدة المسلمين، وتخضع جميعًا إلى رمز هذه الوحدة وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا أنه وبعد انتقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى، أعلنت هذه القوى عن نفسها بطرق مختلفة ومتناقضة، وأدت فيما أدت إليه إلى انقسام في جسم الأمة الإسلامية من جراء تباين آراء وخيارات المجتمع السياسي للمسلمين، والذي كان يتشكل من مجموع القوى المتوفرة في الساحة.
فالأمة التي صنعها الإسلام ومنذ بداية انطلاقته الكبرى كانت تحتضن مجتمعًا سياسيا، تطور بتطور حركة الإسلام في العالم، ومن رحم المجتمع