الصفحة 34 من 87

والإنتاجية، التي أصبحت جزءًا رئيسيا في حركة الاقتصاد والإنتاج لعالم المسلمين. ومن بركات هذه المؤسسات تم رعاية واحتضان كل الحلقات الضعيفة في المجتمع والأمة. فالأمة هي التي قامت بالأدوار الكبرى في سبيل إنقاذ العالم من جاهليته وخلاصه من كل المعوقات التي تحول دون انطلاقته.

ونحن هنا لا ننكر دور الدولة في التجربة الحضارية والإسلامية، فالدولة في المنظور الإسلامي ضرورة شرعية وحضارية؛ وذلك لأنها"المنهج الوحيد الذي يمكنه تفجير طاقات الإنسان في العالم الإسلامي والارتفاع به إلى مركزه الطبيعي على صعيد الحضارة والإنسانية، وإنقاذه مما يعانيه من ألوان التشتت والتبعية والضياع" (8) . فما دامت الدولة في المنظور الإسلامي ضرورة شرعية وحضارية، لذلك ينبغي أن يهتم بها المسلمون ويجعلوها دائمًا مع خيارات الأمة. ولا ريب أن فعالية الأمة وحركية المجتمع السياسي الإسلامي هي من العوامل الجوهرية والضرورية التي تحول دون تغوّل الدولة أو ابتعادها عن خيارات الأمة ومطامحها الكبرى.

وما نريد قوله في هذا الإطار هو أن الأمة هي الفيصل في عمليات العمران الحضاري، ولولاها لما وصل الإسلام إلى أقاصي الأرض. وكان دور الدولة في التجربة التاريخية الإسلامية في هذا المجال هو دفع هذه الحركة، والتفاعل مع معطياتها ومتطلباتها. وإن الأزمة الكبرى التي وجدت في التجربة الحضارية الإسلامية بدأت حينما سعت الدولة بآلياتها العسكرية والحربية وجبروتها وطغيانها السياسي أن تلغي دور الأمة أو تقلصه تحت مبررات داخلية أو خارجية، حينذاك بدأت الدولة بمحاربة الأمة ومؤسساتها، وانعزلت الأمة عن الدولة ومقتضياتها.

ولعلنا لا نعدو الصواب حين نقول: إن الكثير من الإخفاقات والنكسات التي أصابت التجربة الإسلامية على المستوى التاريخي، هي من جراء الانفصال الذي بدأ في مراحل مبكرة من التاريخ الإسلامي بين الدولة والأمة. ولولا الأمة وجهادها ومؤسساتها ومراكزها العلمية والدعوية والجهادية لما استمرت حضارة الإسلام بالإشعاع حقبًا زمنية طويلة؛ وذلك لأن انحراف الدولة المبكر جعلها بعيدة في سلوكها واختياراتها عن جوهر الإسلام ومثله في السياسة والحكم والإدارة. فالتوسع المدني والحضاري الذي شهده العالم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت