إذن -ومع وقفة منهاجية أخرى للقراءة في الدلالات التي تربط بين المقدمات والنتائج وبين الماهيات والآليات- نرى كيف أن التمايز في مرجعية الأمة تأويلا وتأريخًا من حيث الأسس والأصول، من شأنه أن ينعكس على العلم موضع النظر، وأنه في حالٍ ما يكون الأمر على غير ذلك، من المنطقي أن تكون المفارقة بين واقع حال تعيشه الأمة في ضميرها الجمعي وبين مؤسسات ونظم تعليمية وفكرية وثقافية منبتة الجذور عن هذا الواقع!
لقد باتت العلاقة الجدلية بين الأمة والعقيدة هي الخصوصية التي شكلت المدخل لمراجعة مفهوم الأمة، ولمعاودة النظر في بعض المفارقات التي وجدت في تراثنا نحن المسلمين. ففي التراث يوجد الفرد المسلم موضع التكليف والالتزام، ويوجد الفعل مناط الوجوب والحلال والحرام، كما يكثر البحث في الإمامة وشروط انعقادها، وفي الإمام ووجوب الطاعة له، وأمور السياسة الشرعية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وغيرها من قضايا السياسة، والخراج والقضاء. ولكن يبقى السؤال الشاهد الغائب أبدًا: أين الأمة؟ وكيف يغيب ذكر الأمة؟ ويكثر اللغط في الفِرَق والملل والنحل.
والأمة هي التي شهد التاريخ مولدها مع شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله! .. فالمسلم الفرد حين يتوجه ويأخذ العهد -فردًا- ويقول: أشهد أن لا إله إلا الله ينتقل بعدها ليكون -جمعًا- في"إياك نعبد وإياك نستعين"- مع ملاحظة نون الجماعة - فالفرد يدخل عقد الإسلام بشهادة يدخل فيها بوثاق يشده إلى خالقه وبوشائج تربطه بجماعة ثابتة الأصول معلومة الوجهة: وكأنه قد اكتسب بموجب الشهادة عقيدة وهداية، مع هوية وانتماء وغاية: وهذا المقصود بالجمع بين الشهادتين، أو بالأحرى بين شقي الشهادة: شهادة أن لا إله إلا الله، وشهادة أن محمدًا رسول الله. رباط رأسي مع الخالق ومع الغيب ومع المصدر، وفي نفس الوقت بهذه الشهادة يدخل في علاقة أفقية تجمعه مع الجماعة ومع الأمة ومع الجماعة الأولى. فالعقيدة تلقي بخصائصها على خصائص الجماعة وفي نفس الوقت تصوغ نفسية الفرد المسلم،