اصطفاء إلهيا لها من دون سائر الأمم. ثم صاروا جماعة سياسية في المدينة يقوم سلطانهم على القرآن، ويهتدي أمر دنياهم -كالدين- بأمر صاحب الوحي والرسالة وقائد دولتهم: القائم عليهم والقائم بينهم. وما كان من الصورة تلك سوى أن ظلت تجهز مخيالهم الجمعي بالمعاني المختلفة التي تعيد إنتاج فكرة الجماعة لديهم.
وليس من لحظة أكثر استدعاء لفكرة الجماعة، وحمْلا للناس على التوسل بها، من لحظة الانكسار والقلق والضياع كتلك التي عاشوها وهم يعاينون كيف تنتهي وحدتهم إلى فُرقة، وعصمة دمائهم وحرمتها إلى زوال، وتماسك اجتماعهم السياسي إلى انفراط، بعد أن قاتل الصحابة وتبعهم في ذلك التابعون. يعرفون أنهم إذ ينفرون النفرة الكبرى إلى الجماعة إنما يخلفون وراءهم قسما ليس من الجماعة، وليس يقبل بالمقدمات الجديدة التي قامت عليها بعد الحرب الأهلية، وهي مقدمات دموية، ولا بالنتائج السياسية المحمولة على فكرة الجماعة أو الناجمة عنها.
يعرفون ذلك بالتأكيد، لكنهم ما كانوا أمام ترف الاختيار بين جماعة ممكنة أقل كلفة من التذرر الديني، وجماعة تاريخية مستحيلة ينتمي التفكير فيها إلى الطوبى؛ أي بين جماعة تاريخية وجماعة معيارية. كانوا أقرب إلى استنقاذ ما تبقى من وحدة الجماعة الأصل.
سيقع التنظير لاحقا للجماعة .. الإمام الشافعي ثم أبو الحسن الأشعري من الرعيل العلمي الأول الذي سيقدم تأهيلا للفكرة تلك. يرفع الأول الإجماع (= اتفاق الجماعة) إلى مرتبة الأصل من أصول التشريع. أما الثاني فيمتص غلواء التأويل عند المعتزلة -وكان منهم- كي يكف الاختلاف عن الجماعة ويمنعه عنهم. سيقال: إنهما وآخرين (الغزالي، والجويني، والماوردي) من أهل السلطان الذي لا يدرك فكرة"الجماعة"إلا في علاقتها الأيديولوجية به.
وقد يقال: إنهم من المستمسكة بالنص، المنحازين ضد التأويل والعقل، والنص ثقافة الجماعة (هنا بمعنى العامة أو سواد الناس) ... إلخ. وإذ نتجاوز هذا الاستدراك النقدي الذي يقدح في مكانة العقل عند هؤلاء وأولاء من مفكري الإسلام؛ لأنه ممنوع من الإعراب .. نذكر بجداليات ابن