الصفحة 56 من 87

إن القول باستمرارية الأمة تاريخيا وتجاوزها للحقيقة التاريخية الموقوتة بماضٍ ولّى إلى واقع نعايشه اليوم على الرغم من انتفاء مظهرها النظامي المجسد لها (الخلافة) يستند إلى مجموعة من الأسس كما ترى د. منى أبو الفضل في كتابها القيم"الأمة القطب":

* أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قد سعى لإنشاء أمة قبل قيام الدولة أو السلطة التي تجسد نظاميا ومؤسسيا هذه الأمة.

* أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قد خلّف وراءه عند وفاته"أمة"قبل أن يخلف إمامًا، وأنه لو لم تكن الأمة لما وُجِدَ من يؤمّها. وبالتالي فإن وجود الإمام وجود منسوب أو مشتق - والأمة أو الجماعة تصير هي الأصل.

* أن"الأمة"بهذا المعنى تصير هي المستودع للرسالة المحمدية، أي إن الأمة هي وعاء القرآن الكريم.

يترتب على هذه العلاقة العضوية المنشئة للأمة أن بقاءها إنما هو مرتبط بالعلة، وليس بالمعلول، أي إن أمة القرآن هي باقية ببقاء الذكر الحكيم -أما اختفاء الإمام أو الخلافة فهو أمر وإن أضعف وحطّ من فاعلية الأمة بحكم أن الإمامة هي الرمز المجسد للأمة والممثل لها وأداتها التنفيذية التي تقوم بمصالحها - إلا أنه مع ذلك لا ينفي وجودها - الذي يعد هو ذاته ضمانا لتجددها ...

فالأمة في الإسلام هي التي تفرز النظم السياسية والاقتصادية والاجتماعية بحكم مضمون الإسلام كعقيدة وشريعة - ذلك المضمون الذي تحمله هذه الأمة والذي تؤمن به نهجا شاملا لحياة لا انفصام فيها بين الدنيا والآخرة، مما يولّد في الأمة قوة دفع ذاتية للسعي حثيثا نحو تطبيق نظمها وتجسيدها في أرض الواقع. وقد عبر"لووي جارديه"عن هذا المعنى عندما قال:"إن الإسلام ليفترض ذلك الرباط الوطيد الذي لا انفصام فيه بين الدين والدولة، وبين الجماعة والعقيدة، وأن هذه العلاقة الارتباطية العضوية إنما تفرض نفسها فرضا مستوجبة لها تلك التنظيمات الوضعية الملائمة التي تجسدها والتي لا يكتمل النظام بدونها".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت