الواقع، والعكس صحيح أيضا، وتظل في كل الأحوال العقيدة/الدعوة مبعث الحيوية والتجديد للأمة.
هذا الترابط بين العقيدة/ الدعوة وبين الأمة: مبعثه حقيقة جوهرية في التصور والرؤية الإسلامية، وهي أن الأمة هي الوعاء الجماعي المطلوب منه شرعا أن يجسد تعاليم الدين في أرض الواقع؛ فالأمة في التصور والرؤية الإسلامية هي"قوام الدين"وليس السلطة؛ فهي المخاطبة بشرائعه وأحكامه، وهي المنوط بها تحقيقه وتطبيقه.
إن كون قوام الدين لا يتحقق إلا بالأمة قد جعل منها -أي الأمة-"قيمة عليا"ثابتة تتجاوز الحقيقة التاريخية الموقوتة أو الشكل النظامي أو المؤسسي الذي يجسدها (دولة أو سلطة) ؛ لذا فقد اكتسب مفهوم الأمة في الخبرة الحضارية الإسلامية استمرارية تاريخية بغض النظر عن التعبير النظامي أو المؤسسي الذي قام بالتعبير عنها سياسيا. وحدث في أحيان كثيرة في تاريخنا أن سقط التعبير النظامي أو الشكل المؤسسي (الدولة أو السلطة السياسية) وقامت الأمة بملء الفراغ الناجم عن ذلك حين تنتدب من بينها من يتقدم ليتولى المسئولية السياسية عنها.
حدث هذا في التاريخ القديم، كما حدث في التاريخ الحديث: ففي التاريخ القديم شهدنا ظاهرة سقوط الدول"الإسلامية"وقيامها في ظل تحديات خارجية بالغة الخطورة (تحدي المغول ثم الفرنجة"الصليبيين") ، وعندما عجزت الدولة العثمانية -دولة الخلافة وقتها- عن مواجهة خطر الغزو الغربي المتدفق على العالم الإسلامي برزت حيوية الأمة بجلاء حين قامت تدافع عن دينها وأرضها وعرضها.
الأمة في الرؤية الإسلامية -إذن- هي المجال الحيوي لإرساء قواعد المثالية الإسلامية، وهي المجسدة لقيم الإسلام التي تعيش في وجدانها وقلبها، وإن انحرف واقع السلطة عنها؛ فقد شهدت عهود الحكم الإسلامي انحرافات تفاوتت قلة وكثرة، خطورة وتفاهة عن بعض قيم الإسلام وتقاليده، غير أن هذه الانحرافات لم تصب هذه القيم في شيء من مضمونها وإحساس الناس بها، ولا من التعبير المستمر في مدونات الفقه وكتب الفقهاء عن ضرورة الالتزام بها، وهذا في حقيقته مبعثه فاعلية الأمة وحيويتها.