اللهم إن هذه الأمة قد عانت الكثير فهيئ لها أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر. إنك سميع مجيب.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
إن أحد جوانب الحيوية الأساسية للأمة في خبرتنا الحضارية: هي أن مفهوم الأمة يتسم بأنه يعترف بتعددية دوائر الانتماء الفرعي داخله، دون تناقض بينها، حيث يسوده ولاء واحد، وتصاعد في الولاء وتدرج، يتحقق بوجود اتفاق حول مرجعية عليا يحتكم إليها الجميع (عناصر ومكونات المرجعية العليا للجماعة) .
وقد اعترفت خبرتنا الحضارية العربية الإسلامية بتعدد وتداخل دوائر الانتماء للجماعات والأفراد، دون تعارض أو تناقض فيما بينها، لأنه كان يتم في إطار من الوحدة التي تتحقق أساسًا في ظل الاتفاق أو الاعتراف بمرجعية واحدة عليا تهيمن على الجميع.
مفهوم الأمة بهذا المعنى على استعداد لقبول الآخر، عكس المفاهيم الأخرى (الوطن/الشعب/القوم ... إلخ) ، فالأمة تفترض أن الذات محددة الهوية، وذات مرجعية، وعلى استعداد لقبول الآخر (مهما كان هذا الآخر) ، خاصة أن مفهوم الأمة في الرؤية الإسلامية لا يقوم ولا يعتمد فقط على التعاقدية التي يمثلها مفهوما الدولة والمواطنة: التعاقدية تفترض أن العلاقة بيني وبين الآخر يحكمها عقد ما، لو انتهت مدته أو صلاحيته فإن العلاقة تنتهي بيني وبين هذا الآخر، ومن ثم لا بد أن تكون هناك علاقة جديدة تحكمها الندية الكاملة. والتعاقدية تفترض أنني والآخر قادران تمامًا على الفهم الكامل لجميع القوانين الآنية والوقتية التي نتعرض لها في الحياة، أو في الوضع الحالي، أو الذي نتعاقد عليه. كما أن مفهوم التعاقدية يفترض أنني لو استطعت أن أسخّر الآخر أو ألتهمه فهذا من حقي طالما أن العقد يسمح لي بذلك وطالما أنني أملك القدرة عليه.
والأمة في رؤيتنا الحضارية، وإن اعترفت بالتعاقدية في العلاقات بين أطرافها وجماعاتها الفرعية، إلا أنها لا تجعلها الأساس، كما تحيط بالعقد وتغلفه قيم التراحم والتكافل.
إن التعددية التي هي نتاج النظرة التكافلية التراحمية التي يجسدها مفهوم