رشد الفقهية الثلاث ( «فصل المقال ... » ، «الكشف عن مناهج الأدلة» ، «تهافت التهافت» ) ؛ فند ابن رشد علم الكلام ليس فقط لأنه أدنى مرتبة وحجية من الخطاب البرهاني (بدليل أنه أقر الناس على معارفهم الخطابية غير الجدلية) ؛ بل لأنه بث الفرقة في صفوف الجماعة وأشاع فيها الانقسام.
الحساسية من الفتنة والفرقة شديدة إذن، ولازمت أجيالا متعاقبة من مفكري الإسلام في العهد الوسيط. لكنها ليست حساسية فكرية فحسب، وإنما هي اجتماعية وسياسية ووجدانية في المقام الأول، وما كان مظهرها النظري إلا أمرا تاليا في الزمان، وإن ساهم هو نفسه في إعادة إنتاجها ضمن بنائه وتأهيله لفكرة الجماعة.
من النافل القول بأن حزب الجماعة وجمهورها وألسنتها هم من سموا أنفسهم «أهل السنة والجماعة» منذ الصدر الأول، أُولاء نظروا إلى أمر الخلاف الذي دب في الأمة بحسبانه ابتلاء لامتحان وحدتها، واشتقوا من وقائعه درسا: الاعتصام بالكتاب والاستمساك بالسنة والاقتداء بالسلف الأول، والإعراض عن الجدل في العقائد؛ فكان أن التزموا الأشعرية في العقيدة وفقه الأربعة في الشريعة، ونأوا بأنفسهم عن الصراع مع «الملك العضوض» ، وسلموا بشرعية الخلافة على علم بعض فقهاء السياسة الشرعية عندهم أن نصابها من الشرعية الدينية قليل. وهكذا انصرفوا عن فرق الإسلام الأخرى، فما حسبوا أنفسهم فرقة بل جماعة لا تكون أمة المسلمين إلا بها.
ربما كان احتسابهم أنفسهم جماعة أمرًا في عداد ما سميناه بالاستعادة النوستالجية (الحنين للماضي) لفكرة الجماعة الاعتقادية، والجماعة السياسية الموحدة الأولى التي نشأت في المدينة. ومع ذلك في الوسع أن نقول: إن اختراع فكرة الجماعة -بعد انفراط عقدها- كان شأنا محمودا وذا نتائج سياسية واجتماعية بعيدة الأثر في التطور التاريخي الإسلامي اللاحق. إذ حفظ لـ «أهل السنة والجماعة» وحدة جماعتهم لتستعصي على الانشقاق والانقسام والفرقة. ولم يكن ذلك تفصيلا في أزمنة وتواريخ أزمَنَ فيها الخلاف والانقسام، وكادت الأمة الروحية فيها أن تذوي شخصية وكيانا وفكرة.