الصفحة 68 من 87

وعزته ونصره {إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد} (ق: 37) .

وحين بنى الله -تبارك وتعالى- هذه الأمة الشاهدة أوضح بما لا يدع مجالا للنقاش أن الباني لهذه الأمة وواضع أسس بنائها هو الله -جل شأنه- وأن من كلف برفع قواعد هذا البناء -الأمة- هو رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- متبعا في ذلك ما أوحي إليه من ربه. إذ إن الأمة هي خليفته من بعده في مهمة الشهادة على البشرية، والحضور الدائم بينها حتى قيام الساعة {وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس} (الحج:78) .

والله -عز وجل- تكفل بعصمة رسول الله من الناس {والله يعصمك من الناس} (المائدة:67) فما نال منه أحد. وتكفل بحفظ القرآن {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} (الحجر:9) فلم يستطع أحد النيل منه، لا في عصر نزوله ولا فيما تلاه، وسيبقى محفوظا بحفظ الله -تعالى- إلى يوم الدين.

والأمة المسلمة تكفل الله -بذاته العليا- بالتأليف بين قلوبها مشروطا دوامه وبقاؤه باعتصامها بحبل الله. فإذا أرخى المؤمنون أيديهم عن التمسك بحبل الله -تعالى- سقطت حالة التأليف، وعادت حالة العداء. ولقائل أن يقول: ولِمَ لم يكن الأمر قدرا حتما كما كان الحال في"عصمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم"وحفظ القرآن؟ والجواب: أن الإنسان حُمل أمانة الاختيار، فباختياره يعتصم بحبل الله، أو يفرط فيه، وللاعتصام شروطه ودرجاته، وللتفريط دركاته.

والله -تبارك وتعالى- هو الذي يعلم من الأمة استيفاءها لشروط التأليف، فيؤلف بينها {لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم} (الأنفال:63) أو عدم استيفائها لتلك الشروط، وآنذاك لن تجتمع على شيء، ولن يستطيع أحد جمع كلمتها.

وعلى هذا، فعلى عناصر الأمة المفرقة الممزقة أن تسعى لاستيفاء شروط التأليف في كل عصر بحسبه، ثم تتعرض لنفحات الله -تبارك وتعالى- ليمن عليها بالتأليف بينها، وإعادة وحدتها وكيانها.

فتنة حديث"افتراق الأمة"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت