الصفحة 32 من 87

لشخصيات كان معيار اختيارها ليس الكفاءة والقدرة، وإنما القرابة الدموية. ومع اتساع رقعة الإسلام بدأ التمييز على قاعدة العرب والموالي، ولقد أحدث هذا التمييز في التجربة الإسلامية التاريخية العديد من الصراعات والحروب والثورات.

فالمحور الأساسي لمفهوم (الأمة) هو الدين والعقيدة، لذلك فإن لمفهوم الأمة سيرورة تاريخية؛ إذ مع اتساع رقعة الإسلام تتسع دائرة الأمة ومسئولياتها، لهذا نجد أن التوجهات العامة والتكاليف الاجتماعية والحضارية التي أرسى دعائمها الدين الإسلامي لم تتوجه إلى آحاد الأمة أو كيانها السياسي (الدولة) ، وإنما توجهت بشكل مباشر إلى الأمة؛ فهي المسئولة عن تنفيذ تلك التوجهات، وهي الحاضن للقوى المؤهلة لتحويل تلك التكاليف إلى وقائع قائمة في المجال الاجتماعي والحضاري .. قال تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُمْ مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَلْتَكُن مِّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (5) .

فالوحدة كقيمة إسلامية وإنسانية كبرى يتجه التكليف فيها إلى الأمة، وتبدأ من الدوائر الاجتماعية الصغيرة حتى تصل إلى الدوائر الكبيرة. فالأمة هي المسئولة الأولى عن خلق الوحدة بوعيها وإرادتها وتصميمها على تجاوز كل العقبات المتوفرة في الواقع المجتمعي والتي تحول دون ذلك.

وقال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} (6) . فالعمران الحضاري يتطلب حضورًا حيويا للأمة وشهودًا متواصلا من قبل القوى والأطر التي تجسد إرادة الأمة، حتى يتحقق الرقي الحضاري، فشهود الأمة ووسطيتها هو الشرط الضروري للتقدم الشامل.

وتاريخيا كان للأمة بمؤسساتها ومنابرها وإمكاناتها الأهلية الدور الرئيسي والجوهري في توسع رقعة الإسلام، وتذليل الكثير من العقبات التي تحول دون استمرار حركة الفتح الروحي والحضاري. واستخدمت في سبيل ذلك وسائل حضارية كالدعوة بالتي هي أحسن إلى الدين الجديد، والتواصل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت