الصفحة 7 من 87

وقبل البدء في تفصيل ذلك، نود أن نشير إلى أننا لا ننوي من خلال مقالنا هذا أن نقف عند كل ألفاظ (الأمة) الواردة في آي القرآن العظيم، وإنما آثرنا أن نبين مفهوم الأمة عند المفسرين التراثيين من خلال نماذج تواتر الاستشهاد بها عادة في مثل هذه الدراسات (1) كما آثرنا من جهة أخرى أن نقترب من مختلف التفاسير من حيث أنواعها، فاتخذنا من التفاسير بالمأثور نماذج، كما اتخذنا من التفاسير بالرأي والاجتهاد نماذج أخرى، وحاولنا في الأخير أن نطرق باب التفسير الصوفي لنرى ما مفهوم الأمة عند القوم من أهل التصوف والعرفان.

إن المتأمل في مختلف التفاسير بالمأثور، يجد أن تفسير ابن جرير الطبري يأتي على رأس التفاسير التي تحوي في أغلبها مميزات وخصائص هذا النوع من التفسير؛ إذ إنه من المعروف لدينا أن التفسير بالمأثور سواء أكان متواترا أم غير متواتر"يشمل المنقول عن الله تبارك وتعالى في القرآن الكريم، والمنقول عن النبي (صلى الله عليه وسلم) والمنقول عن الصحابة رضوان الله عليهم، والمنقول عن التابعين رحمهم الله، وعلى هذه الأنواع الأربعة يدور التفسير بالمأثور" (2) وهذا أحسبه متوافرا في تفسير ابن جرير الطبري ثم يلي هذا المفسر المشهور، ابن كثير، وهو الآخر لا يقل تفسيره أهمية عن سابقه، لذلك آثرنا أن نتخذهما نموذجا للتفسير بالمأثور.

يقول تعالى ذكره: {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} (3)

يذهب الطبري إلى أن لفظ الأمة الوارد في هذه الآية يعني الجماعة المتفقة على دين واحد، هذا مع أنه يقبل تفسير لفظ الأمة في آيات أخر بمعنى الجماعة على وجه الإطلاق، سواء أكانوا من الناس أم للصنف من الناس، وفي ذلك يقول:"وأصل الأمة الجماعة تجتمع على دين واحد، ثم يُكتفى بالخبر عن الأمة من الخبر عن الدين لدلالتها عليه" (4)

غير أن الطبري من جهة أخرى نلفيه يورد قولا مأثورا يفيد أن المراد بقوله تعالى: {ومن ذريتنا أمة مسلمة لك} - الآية، أنهما عنيا بذلك العرب، ويؤكد ما ذهب إليه بأثر حدثه به أحدهم، وذلك بإسناد منه قال فيه:"حدثنا موسى بن هارون قال: حدثنا عمرو بن حماد قال: حدثنا أسباط"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت