الصفحة 17 من 87

أما عن مدلول اللفظ في قوله تعالى: {وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ} (1) فقد جاء بثلاثة معان عند القرطبي، وقد وافقه الرازي في معنى واحد، ذلك أن لفظ الأمة عند القرطبي، يعني أمة محمد صلى الله عليه وسلم؛ كما يحملها معنى النفر الذين آمنوا بالدعوة الإسلامية من أهل الكتاب. هذا بالإضافة إلى معنى آخر يضيفه، وهو أن لفظ الأمة القصد منه قوم من بني إسرائيل تمسكوا بشرع موسى قبل نسخه، ولم يبدلوا ولم يقتلوا الأنبياء (2)

ومن الأسباب التي جعلت إبراهيم عليه السلام يتصف بكونه أمة واحدة في قوله تعالى: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا للهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} (3) نلفي الرازي يدلل ذلك بما يلي:

أولها: أنه كان أمة وحده لكماله في صفات الخير كقوله:

وليس على الله بمستكثر

أن يجمع العالم في واحد

ثانيها: قال مجاهد، كان مؤمنا وحده، والناس كلهم كانوا كفارا، فلهذا المعنى كان وحده أمة.

ثالثها: أن يكون أمة: فَعَلة، بمعنى مفعول كالرحلة والبغية؛ فالأمة هو الذي يؤتم به، ودليله قوله: {إني جاعلك للناس إماما} .

رابعا: أنه عليه السلام، هو السبب الذي لأجله جعلت أمته ممتازين عمن سواهم بالتوحد والدين الحق ولما جرى مجرى السبب لحصول الأمة، سماه الله تعالى بالأمة، إطلاقا لاسم المسبب على السبب (4)

ومما تقدم ذكره، في شأن تصور الأمة لدى أهل التفسير بالرأي والاجتهاد، فإنهم بوجه عام، قد أوَّلوا التأويل نفسه الذي ذهب إليه أهل التفسير بالمأثور -على الرغم من تلك المقاربة العقلية من لدن أهل التفسير بالرأي- فكانت مفاهيمهم للفظ (الأمة) من خلال ما عرضناه من آي القرآن العظيم، تدور في معظمها حول معنى الجماعة المرتبطة بدين أو ملة، سواء كان دينا أو ملة أو شريعة مطلقا، أو خاصا بالدين الإسلامي؛ كما وجدنا الأمة عندهم، إما خاصة بجماعة الإجابة أو خاصة بجماعة الدعوة عموما.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت